تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بنفي ولا بإثبات، فأطلقها مدوية، وكانت جرأة نادرة في باب الإصلاح السياسي والاجتماعي، ولن يقدر على ذلك إلى بطل من أبطال الكفاح الوطني، وهكذا قيض لهذا البطل أن تكلل دعوته بالنجاح، شأنه في ذلك شأنه في القضايا الوطنية التي امتلأ بها تاريخه النقي الوطني، فإذا بالمغرب كله يسنده ويؤيده، وإذا به يستحق بذلك من مليكه وشعبه كل وجوه التقدير والإجلال، وبموقف الطريس ومداخلته للساسة من المغاربة والعرب تخلص المغرب من موقف الحيرة، وسار في طريقه التاريخي، المتناسق مع أمجاده في الماضي وآماله في المستقبل، ولنا بطل آخر، هو الأستاذ بوستة وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري: فقد وقف موقفا عظيما في إرجاع المغرب إلى شخصيته الحقيقية، حيث شن حملة شعواء في سبيل تعريب الإدارة بصفة عملية منتجة، فكان تصريحه الأول في هذا الميدان قبسا من نور إلهي أضاء جانبا من ظلمة الحيرة التي يخبط فيها المغرب وهي عملية هدم وبناء في آن واحد، عملية هدم، لأنها ستطرد السيطرة الدخيلة من الإدارة بما فيها من دسائس وجرح للكرامة الوطنية، وعملية بناء، لما اشتملت عليه من مسطرة اللغة العربية في ربع عظيم عزيز من ربوعها، فإذا مجدنا أبطالنا كان علينا أن نجعل في صفهم الطريس وبوستة.

ولعل أحسن ما استفدناه -نحن مغاربة شمال المغرب - من الاحتكاك بالإسبانيين، إننا تأكدنا من وطنيتنا، وعرفنا آفة الدعوة الانفصالية: فلقد شاهدناهم يبذلون في سبيل وطنيتهم كل مرتخص وغالي، ففكرنا وعلمنا أن القوم على صواب، فازداد حماسنا الوطني، ورأيناهم يشرحون آفات الانفصال، حيث كانت الدعوة الانفصالية تهدد بعض الجهات الإسبانية، ففكرنا فوجدنا القوم على حق وازددنا تمسكا بالوحدة القومية، مهما كلفت هذه الوحدة من ثمن حتى إذا من الله على المغرب بنعمة الاستقلال، كانت وطنية الشمال وطنية ناضجة تمقت الانفصال إلى درجة أنها تنكره ولا تكاد تعرفه، وكانت الوطنية المخلصة تعم المغرب بالجملة، فلما جاء الاستقلال سترت لألاة الكراسي العيون عن رؤية نور الوطنية: وعلينا أن نعود إلى الوطنية كلنا سواء منا أصحاب المناصب الكبرى وغيرهم، وأن نجعلها وطنية عملية فعالة، مثل ما سيصبح التعريب والعروبة عنصرين عامين يؤديان وظيفهما في الجهاز الحيوي للمغرب فنصبح: عربا، مغاربة، لا بالقول فقط، ولكن بالفعل أيضا أما ثالثة أثافي القومية وأعزها وأكرمها وأمتنها فهي الدين.

إن الفترة الاستعمارية أفسدت علينا كل شيء حتى شؤون ديننا، ولنبدأ في الدين من أسسه الأولى، وأحسب أن علينا في نهضتنا الدينية إلى جنب نهضتنا العربية والوطنية، أن تشن غارة شاملة لتركيز قواعد الإسلام الخمس عن طريقة استعمال الطرائق الحديثة، والتخاطب إلى العقلية الجديدة المتكيفة بما ساد في عصر انفلاق الذرة، وغزو الفضاء، ولقد شاهدنا الإسلام في بنائه الأول، فإذا حياة الكفاح المرير في سبيل تطهير الفكر العربي من الأوثان والأزلام وانكسار البعث من فترة الإسلام المكي، أما تحريم الخمر فإنه إحدى عمليات الكمال، فأنه لم يشرع تحريمها إلا بعد فترة استقرار الإسلام في المدينة، وقد مات قوم مجاهدين وهي في بطونهم، فعلى الوعاظ أن لا يركزوا وعظهم في ذم الخمر، فإن تحريمها يحتاج إلى صدور ممتلئة بالإيمان، فليكن عملنا الأساسي في الوعظ والدعوة للسنة هو العمل على إنعاش المعتقدات وتقويتها، وأيما امرئ قوي إيمانه فإنه ينزع عن شربها في أول ما يعمل.

إن الدعوة الإسلامية يجب أن تقوم أولا على التقشف والتقلل من الدنيا، وعلى العمل المنتج، ومعنى هذا أن كل واحد منا عليه أن ينتج مائة، وأن لا يستهلك أكثر من عشرة، وإذا كان إنتاجنا أكبر من استهلاكنا فقد أصبنا هدفا من أهداف الإسلام، فهو عمل كثير لفائدة المجموع، وقناعة الفرد بما لا يزيد عن الحاجة، وإلى جنب دعوة الدعاة يلزم أن يتعلموا مبادئ العلاج، ليعالجوا المرضى، وأن يعرفوا العلوم ليعلموا الجاهلين، وأن يصلحوا بين الناس، وأن يؤسسوا جمعيات للخير، ومشاريع للتعاون، وعليهم أن يكونوا رياضيين جغرافيين ليتدبروا آيات الله، وأن يسيروا في الأرض سائحين ليروا أمما أشد منا قوة، فإذا كانت الدعوة بهذه الدرجة، فإن المعاصي سوف تقل جدا، والمشاكل الاجتماعية ستخف إلى حد بعيد، وتصبح الجرائم شيئا غريبا قلما يقع، وعلينا أن نفهم جيدا أننا إذا أردنا أن تكون السيارة مثلا تؤدي وظيفتها أتم الأداء، صحيحة الأجزاء، سليمة التركيب، سواء في ذلك أجزاؤها الظاهرة أو الباطنة، أما أن نريد أن نستعمل آلة عطبة في استخدام أغراضنا، فلنكن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٢٢