دعوة الحق، س.4، ع1 /أكتوبر 1960 .................... ص 15
أثر الكلمة الطيبة
للأستاذ محمد نمر الخطيب
قال تعالى وهو أصدق القائلين:
«قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى» [طه: 123 - 126].
بهذه الموعظة الأولى، وهذه الكلمات الساميات، والآيات الرائعات، خاطب الله سبحانه الأصول البشرية عندما أهبطهم من السماء، وأسكنهم هذه الأرض، وجعلها لهم مستقرا ومستودعا. وكما جعل سبحانه الشمس والقمر دائبتين وسخرهما لإمداد العالم بالنور والضياء والحياة كذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لإمداد العالم والخلق بالضياء والنور والحياة.
فما خلت أمة من رسول، ولا جماعة من نبي، من لدن أبي البشر آدم إلى المبعوث بآخر هدايات السماء مولانا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
كل ذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ولله الحجة البالغة.
ومن الواضح الجلي: أن أولى وظائف هؤلاء المختارين لهداية الخلق: الوعظ والإرشاد، ودلالة الناس على ربهم، وإدخال الإيمان في قلوبهم، وتركيز الطاعة في جوارحهم، سالكين في ذلك سبيل الحكمة: من لسان عذب، وكلمة طيبة، ودعوة بالحسنى، وأسوة حسنة.
ومن حكمة الله سبحانه أن هذه القلوب، وإن قست، فكانت كالحجارة أو أشد قسوة إلا أن الكلمة البليغة، والموعظة الجميلة، تجعله ينقلب رقة، ويسيل لطفا، ويطفو حنانا. كتلك الأرض الجامدة الهامدة، المغبرة الكالحة، فإذا واكبها الغيث وأمطرها السحاب ونزلت عليها رحمة الله، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وأصبحت جنة للناظرين.
ولما كان سيدنا محمد عليه السلام آخر الأنبياء، ولا نبي بعده أمر علماء هذه الأمة بوراثته وجعلهم كالأنبياء، في واجب الإبلاغ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة سوق الوعظ وبث صنف الهداية والإرشاد وربطهم بخالقهم سبحانه. والآيات في هذا الموضوع كثيرة، والأحاديث أكثر من أن تحصى.
ولقد كان المسلمون في خير يوم كانوا يتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر.
وكانوا في عزة يوم أن كان عالمهم يرشد جاهلهم، وكبيرهم يأخذ بيد صغيرهم.
وكانوا خير أمة أخرجت للناس، لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وكانوا أمنع الأمم جانبا، يوم عرفوا سر قوله تبارك وتعالى: «وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً.» [الأنفال: 25]
ولهذا كانت عناية سلف هذه الأمة بهذه الناحية عظيمة، وعظيمة جدا.