تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت له: إن كلمة الوداع ليست من الأعمال الرسمية، ألا يستطيع صاحبك أن يقول لك: اصبح بخير أو ليلة سعيدة، أو نحو ذلك؟ فلما عجز عن الدفاع، قال لي: من أنت؟ فقلت له: قد رأيت اسمي في أوراق السيارة وما حاجتك إلى معرفتي، أعمل بالقانون الذي عندك، فأصر على أن أخبره باسمي فأخبرته فاعتذر وقال: سامحني. وأخذ يصلح مع السائق ضوء السيارة. وإنما اغتظت عليه في أول الأمر لأنه بدا الكلام بفظاظة وانتهت القضية بسلام. ورأيت أختين مغربيتين صغيرتين تحدث إحداهما الأخرى بالفرنسية.

وأما في الدوائر الحكومية فالعربية أجنبية، ولكن لا بد لهذا الليل من آخر.

كنت أتكلم من رئيس شركة التأمين على السيارات وهو فرنسي قح في الرباط فقال: إني نصحت أولادي فقلت لهم: إنكم ولدتم في المغرب ونشأتم في المغرب، ولن تستطيعوا أن تعيشوا إلا في المغرب، فتعلموا العربية فإنكم إن لم تفعلوا فسيذهب أحدكم إلى دار البريد بعد عشر سنين أو على الأكثر بعد خمس عشرة سنة، فلا يستطيع أن يقضي حاجته إلا بترجمان. فيا ليت المغاربة يفهمون هذه الحقيقة التي فهمها هذا الرجل الفرنسي البعيد النظر.

ورب قائل يقول لقد خرجت عن الموضوع أكثر من مرة وصيرت مقالك هذا كسفينة نوح في جمعها بين البشر وأنواع الحيوان فأقول في الجواب: إن الاستطراد عادة لازمة لي، فأن الحديث كما قيل ذو شجون وكثير من الناس يجدون في المقال المشتمل على فنون يرتبط بعضها ببعض من المتعة ما لا يجدونه في المقال المنسق المنحصر في لون واحد، والذي نعتقده وندين الله به أن البشر كلهم نوع واحد وان اختلفت أجناسه، فإن العقل والتفكير الذي كرم الله به بني آدم لا يختلف باختلاف الألوان والأشكال وأن العلم والمدنية ليسا وقفا على جنس بعينه، إلا أن حب السيطرة والاستعباد يحمل الظالمين على التنكر لهذا المبدأ القويم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٧١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٧١٦