فالمقاومة الجزائرية - إذن - قائمة وتقوم على دعائم إنسانية، وأصول شرعية منطقية، لأنها جاءت نتيجة طبيعة لامعان المستعمرين في تسلطهم الفاحش، واستبدادهم الفظيع بجميع المرافق الحيوية في البلاد وأهل البلاد، فهل يعقل - بعد هذا - ألا يهب الشعب الجزائري للدفاع عن نفسه، ودفع الظلم والعدوان عن وطنه؟ وهل - بعد هذا - يلام إن استمر في المقاومة وواصل الجهاد ما دامت أسباب العدوان والطغيان قائمة في بلاده، تتحدى العدالة، وتهزأ بالشرائع الإنسانية؟
لا، لا اعتقد أنه يوجد من بين الأحرار، وذوي الضمائر الحية من لا يناصر المظلوم، ولا يمقت المعتدي، ولذا فإن الجزائر ظلت وستظل فخورة، بما يتمتع به كفاحها التحريري الإنساني من تأييد وعطف لدى جميع الأحرار والديمقراطيين في جميع أطراف العالم، وسعيدة بما تبديه أكثرية الشعوب نحوها من تضامن ومؤازرة مادية ومعنوية، بالرغم من الدعاية الاستعمارية الكاذبة التي ما فتئت تحاول عبثا تشويه سمعة هذه المقاومة البطولية العادلة، وتضليل الرأي العام العالمي عن النظر إليها بالمنظار الحقيقي المبني على العدل المجرد، والتفكير الحر، والمنطق السليم النزيه ..
وفي الوقت نفسه تريد فرنسا أن تصرف أنظار العالم - من وراء دعايتها - عن رؤية ألوان القمع والتعذيب للإنسانية، التي ابتكرتها العبقرية الفرنسية في عصر (الصاروخ) واتخذت من أرض الجزائر مجالا لتجربتها .. بيد أن العالم أضحى على علم شامل بما يجري في هذا القطر من الجرائم التي تقترفها فرنسا (المتمدنة .. ) دون ما مراعاة لحرمه الإنسان وحقوقه ...
والتاريخ العادل سوف لا يهمل تسجيل ما ترتكبه إحدى الدول الكبار .. من أعمال شنيعة، وما تلعبه من أدوار مزرية على مسرح الجزائر ضد طلاب الحرية والعدالة الإنسانية، إذا أدت الحماقة إلى أن تنتهك قوانين الحرب، وتخرق تعهدات الأمم والشعوب، فتقذف المجاهدين بقنابل (التابالم) المحرقة .. الفظيعة، إنها حقا مأساة فرنسية .. جديرة بالإشفاق .. وستبقى وصمة عار في جبين «الدولة الكبرى» .. وصفحة سوداء في تاريخ حربها مع شعب صغير أعزل، كما بقيت غارات الوندال والمغول وفضائحهم مضرب المثل خلال التاريخ على الوحشية والهمجية الكريهة منذ أقدم العصور.
إن المقاومة الجزائرية المباركة ستستمر في طريقها المرسوم لها حتى تحقق أهدافها النبيلة، وتنتهي إلى غايتها المحددة لها، ولن تستطيع أية قوة باغية أن تحول بينها وبين بلوغ تلك الأهداف، أو تصدها عن إدراك تلك الغاية، ألا وهي استرجاع حرية الشعب وسيادته، واسترداد كرامته واستقلاله في أرض آبائه وأجداده ..
ومهما بالغت القوة الاستعمارية في القمع والتنكيل بالأبرياء، وتمادت في انتهاك الحرمات، والعبث بالمقدسات، ومهما أوغل الساسة الاستعماريون في سفك الدماء، فلن يصد كل ذلك المقاومة الجزائرية عن العمل من أجل أداء رسالتها التحريرية، وتحقيق أمانيها القومية المشروعة، وحكومة الجزائر - التي تقود تلك المقاومة - واثقة كل الوثوق من أن اعتماد فرنسا في حل المشكلة الجزائرية على القوة هو محض حمق وسفه لا يجديها نفعا، وقد جربت جميع أشكال القوة فكان مآلها الفشل، لا في الجزائر فحسب، بل في الهند الصينية، وفي المغرب وتونس، وقبل ذلك في سوريا ولبنان، ولن يكون حظها في بلادنا أسعد من حظها في تلك البلاد المناضلة، ولن يسعها إلا سلوك نفس السبيل - حبت أم كرهت - طال الزمان أم قصر- فالجزائر أرض عربية إسلامية - رغم المناورات والمؤامرات الاستعمارية -وقد عقد العزم شعبها وصمم تصميما لا رجوع فيه، على أن يفك بسواعد أبنائه وثاق حريته واستقلاله، مهما غلت التضحيات وتضاعف عدد الشهداء والشهيدات.
«ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم».
هذا هو المصير الطبيعي الذي ينتظر الجزائر الحرة المجاهدة لتحتل مكانتها بين الشعوب العربية والإسلامية المتحررة في العالم.
فهل تثوب فرنسا إلى رشدها، وتكف عن غيها وضلالها ... ؟
ذلك ما نأمله نحن ويأمله كل إنسان مؤمن بالحق والعدل.