تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س3 - ع8 مايو 1960 .................. ص9

دواء الشاكين وقامع المشككين

للدكتور تقي الدين الهلالي

-5 -

نورد في هذا الموضوع آراء علماء هذا الشأن ثم نعلق عليها بما يفتح الله به من الاستنتاج: ان سر ابتداء الحياة مشكلة وقف عندها العلماء متحيرين لفقدهم البرهان القاطع، لكن هناك حجج كثيرة لكنها ناقصة وغامضة، وعلى ذلك يجدر بنا أن نعرض لها بالبحث من الوجهة العلمية، ان اصل ابتداء الحياة عجيب لذلك جاءت نتائج بحوث العلماء فيه مختلفة متباينة بعيدة عن الادراك حتى ان اكابرهم وقفوا امام هذه المعضلة مدهوشين، وذلك ان العالم من حيث هو عالم لا يستطيع أن يصدق خوارق العادة، ولكن من حيث هو إنسان عاقل يرى بنتيجة بحثه وبحوث غيره من العلماء الباحثين من غلس الحياة أي الوقت الذي كانت فيه الحياة بين الوجود والعدم، لم ينكشف وجودها بعد انكشافا تاما، (اشبهت الحياة بالغلس وهو ابتداء ظهور نور الفجر حين تكون المرئيات محتجبة بالظلام، لا يظهر منها الا أشباحها ظهورا ممزوجا بالشك) كانت الحياة حينئد أدق من أن تدرك بالمجهر، يعلم أولئك الباحثون كلهم أن جميع الأشياء المتصفة بالحياة الآن قد تطورت من خلية مكرسكوبية واحدة، ومعنى مكرسكوبية أنها لا ترى بالعين المجردة وانما ترى بالمجهر وهو المكرسكوب ويظهر أن هذه الخلية قد أعطيت قوة لايكاد العقل تصورها، فانها تنمو نموا مطابقا لشكل الحي الذي يراد تكوينه منها، ان الحياة في كل مكان على وجه الأرض، والعلم يعترف بأن الواقع لا يمكن أن يكون غير ذلك، وقد اختلفوا في تعليل ذلك، فبعضهم يعتقد أن الحياة حادث كيميائي نشا عن الماء والزمان، وآخرون يرون النظام في كل مجموعة واسعة من مجموعات الأشياء المتصفة بالحياة وهي تشق طريقها الى الأمام آتية من ذلك المصدر نفسه الى النهاية المقدرة لها، سواء أكانت حلزونا (وهو ببوش باللغة المغربية) أو صائرة انسانا، لا تعود إلى عبور الهوة التي عبرتها من قبل ابدا، أقول أريد أن أقف هنا لاستنباط الحجج مما تقدم فأقول اذا تقرر بإجماع علماء الحياة ان حياة كل حي أصلها خلية واحدة سواء اكان ذلك صحيحا في الواقع أو لا، ثم وقع تطور كل مجموعة من أنواع الحيوان التي لا تعد ولا تحصى، من تلك الخلية الواحدة التي لا ترى الا بالمجهر الى نهايتها سواء اقدر لها أن تصير بعد نهاية نموها حلزونا أو إنسانا أو غير ذلك، فمن الذي وضع لكل مجموعة منهاجا خاصا يسير عليه لا يتعداه مثقال ذرة؟ أليس هو الله رب العالمين؟ أليست هذه حجة قاهرة لكل عاقل مفكر يسمع نداء عقله ويترك التقليد جانبا ولا يخدع نفسه؟ هذه الحجة القاهرة هي البرهان القاطع على فساد الفرض ان خلق أنواع الحيوان من الاميبا الى الفيل والقريش، وهو حوت عظيم جدا، على اختلاف أشكالها وصفاتها واتحاد مصدرها كلها وليدة مصادفة بلا علم سابق، ولا تدبير مرافق، ولا عناية مهيمنة؟ ان رضيت عقولكم بمثل هذا فنشهدكم ان عقولنا لن ترضى به، بل لا تفهمه ابدا فاعتقدوه وحدكم، ولكن حذار ان تكذبوا على العلم وتقولوا انه قادكم الى ذلك فقد رأيتم ان العلم من ذلك بريء براءة العقل المفكر منه.

ثم نعود الى كلام المؤلف، قال: دعونا نتقدم الآن إلى البحث في الموضوع بشعور ملؤه الاحترام دون أن نتقيد بالحدود الدينية الضيقة ولا بحدود الباحثين العلمية الجامدة، لنعرف ما هو سبب الحياة ومصدرها ونتصور الحقيقة التي يجب الاعتراف بها، وعند ذلك نحكم على القضية الموضوعة أمامنا حكما تاما، وحينئذ يمكننا أن نعلم هل أنا وأنت كل منا ليس الا مجموعة من ذوات المادة اجتمعت على سبيل المصادفة والاتفاق وتولدت ن المركبات الكيميائية الماء والزمان أم الحقيقة غير ذلك.

انظر في النتيجة الى هذا الشيء الوحيد الذي هو أهم من الأرض نفسها، بل من العالم باسره، بل من كل شيء غيره الا إذا كان هناك بارئ عالم خلقه وأخرجه الى الوجود، هذا الشيء هو قطرة من (البروتوبلازما) ذرة هي أصل الحيوان والنبات،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٦١