تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انبثق من صميم الشعب، وتسلح بالخلق المتين، وتسربل بالإيمان واليقين، عرف بالإرادة القوية، والعزم الصادق، والثبات على المبدأ دونه ثبات الراسيات، ذلك هو (مصطفى بن بولعيد) الذي آثر الخلود الأبدي في سجل الأبطال المجاهدين على حياة الذلة والمهانة التي يتخبط فيها أبناء وطنه. ودفعه الإيمان بحق هذا الوطن في حياة العزة والحرية والكرامة إلى تسلق القمة ... قمة جبال الاوراس ليعلن منها ثورته الجارفة على الظالمين والمفسدين، الذين أهلكوا الحرث والنسل، فشوهوا بصنيعتهم وجه الإنسانية، فما عتم أن تردد صدى إعلانه في أنحاء العالم، قبل أن تتجاوب معه جبال الجزائر الأخرى في استعداد وقوة، وأبي التاريخ إلا أن يسجل اسم الرجل الثائر مقرونا بأسماء كبار الرجال، أعداء الرق وأبطال التحرير في العالم.

*

* *

ويذكر شهر مارس بشاب، تقمصت في شخصه كل معاني الشباب في سموها، ومثالية طموحها، ونبل أهدافها وغاياتها. شاب قل نظيره في الإقدام على المخاطر، والاستهانة بالخطوب، والثبات أمام الملمات، أهله عزمه الذي ى ينثني، وإرادته الحديدة الجبارة، لأن ينهض بمهام جسام، وإعياء ثقال في جهاز الثورة، تنوء بحملها الجبال. تعشق الحرية منذ نعومة أظافره وحداثة سنه، فهام بها حبا، وراح ينشدها مستهينا بكل التضحيات، دون أن يغدو وطنه محرزا على استقلاله وحريته. ولذلك طفق يناضل في كل ميدان اعتقد أنه يؤدي به إلى تحيقي أمله المنشود، ولكن التجاءه إلى الكفاح المسلح أصبح عنده أمرا لا مناص منه، بعد أن ستفرغ الشعب الجزائري جميع الوسائل السليمة في إقناع العدو ... في الاعتراف بالحق لذويه. وأبي إلا أن يتحدى هذا العدو، ويتولى إدارة رحي المعركة الفدائية في قلب العاصمة نفسها، رغم إلحاح إخوانه عليه مرارا أن يغادر الخطر.

إن النفس الكبيرة التي كان يحملها هذا الشاب بين جنبيه، جعلته يتسامى عن أن يشغله أي شاغل عن خدمة وطنه، بما في ذلك أسرته الصغيرة، مؤثرا أن يعيش - ما عاش - محلقا في أفق الأسرة الوطنية الكبرى باذلا كل جهوده وقواه أن يلهم أعضاء هذه الأسرة بتضحيته ونضاله طريق الحرية والمجد. وحينما حاول العدو أن يشل حركتهن ويعطل نشاطه بإلقائه في غيابات السجن، كما فعل بالكثير من رفقائه في النضال، التجأ إلى حماية الجبال، قبل نشوب الثورة بأربعة أعوام، أعوام الإعداد والاستعداد، لان يوم الجهاد.

ولم يكن هذا الشاب إلا محمد العربي بن مهيدي، والحق أم مثالية نفسه في مختلف صورها، وعلو صفاتها، لما تنحني أمام عظمتها رواسي الشامخات ...

«وإذا كانت النفوس كبار* تعبث في مرادها الأجسام»

وإذا كانت الأحداث العظام، تقترن دائما بأسماء رجال عظام أيضا، لأنهم يعملون على إيجادها وإبرازها إلى عالم الوجود المحسوس، في نسف الوقت الذي تعمل تلط الأحداث بدورها على إيجادهم، كأنها تستمد عناصر حياتها ووجودها من وجودهم، وتأبى إلا أن ترافقهم في قطع الفيافي والمغاور لالتحاق بالقافلة التاريخية. إذا كان لابد من هذا الازدواج بين الأحداث العظام والرجال الذين يعيشونها ويتحكمون في سيرها واتجاهها، فإننا نستطيع أن نتخذ مثالا لهذا المظهر قائدين استشهدا في شهر مارس من السنة المنصرمة، وقد أظهرت أحداث الثورة وتطورات مراحلها عظمة بطولتها وشجاعتها النادرة بالإضافة إلى ما أظهراه من دقة ورابعة في وضع خططهما الحربية المحكمة طيلة أعوام عدة، مما احتار له كبار ضباط العدو الذين تخرجوا من أرقى الكليات الحربية الفرنسية.

وأن القائد عميروش الذي قضى في ميدان الوغى بجنب رفيق له في الجهاد المقدس، وهو البطل احمد بن عبد الرزاق، بعد أن قضيا بضع سنين في قلب المعركة التحريرية، قد أبان - كصنوه - عما تزخر به ارض الجزائر من عبقرية إنسانية، ارتفعت إلى منزلة سامية، لا يرتفع إليها إلا عظام الرجال، الذين أنكروا دواتهم من أجل إيجاد ذوات الآخرين ونفعهما، وارتفعوا وجودهم لخدمة الوجود العام الذي يقوم عليه وجود أمتهم، ويفور لها أسباب الحياة وإبقاء.

إننا نشير بانجاز إلى ذكرى استشهاد هؤلاء الأبطال الأربعة، التي تصادف شهر مارس من كل عام، دون أن ننسى غيرهم من أبطال ثورتنا الكثيرين، وجنودها المجهولين، الذين يستحق كل واحد منهم أن يسطر اسمه في صفات الخلود، مقرونا بما في جدير به من الإجلال والإكبار.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٢٨