تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 58

حول مدرسة المترجمين بطليطلة

للأستاذ: عبد اللطيف الخطيب

لقب «الفونسو العاشر» في تاريخ ما يسمى عند الإسبانيين بحملة استرجاع الأندلس من المسلمين بالملك «الحكيم» جزاء على ما كان له من الفضل في إحياء العلوم والآداب والفنون والاستعانة بها في إقامة قواعد المجد للدولة التي اقترن ميلادها بتوحيدها عند انتهاء الحملة المذكورة في العقد الأخير من القرن الخامس عشر. وقد ملك «الفونسو العاشر» قشتالة فيما بين السنتين الثانية والخمسين والرابعة والثمانين من القرن الثالث عشر الذي تقلص فيه الإسلام عن الأندلس إذا استثنينا مملكة بني نصر بغرناطة وأقصى شواطئ الجنوب التي أنهى «الفونسو الحادي عشر» استردادها بسقوط طريف في قبضة جيشه سنة أربعين وثلاثمائة وألف. ولقد كانت مدينة طليطلة قاعدة ملوك قشتالة وظلت عاصمة للدولة الاسبانية الناشئة إلى حلول السنة الستين من القرن السادس عشر. وتبعد هذه المدينة عن مدريد نحو الجنوب بمسافة خمسة وسبعين كيلو مترا إذا سرنا في خط مستقيم. أما سكانها في الوقت الحاضر فأربعون ألفا. وتوجد بهذه المدينة كاتدرائية جميلة أنهى بناؤها في القرن الخامس عشر ويقيم القاصد الرسولي لاعتبارها العاصمة الدينية لاسبانيا من قبل الفاتيكان.

ولم يقترن عهد «الفونسو العاشر» بالمآثر الحربية كما اقترن في أسفار التاريخ بجلائل الأعمال في عالم الفكر. وقد كان في طليعة تلك الأعمال بعثه لجامعة «سملنكة» التي هي أولى الجامعات في العالم المسيحي وقيامه على وضع الجداول الفلكية مستعينا بالمؤلفات وآلات الرصد التي خلفها العرب. أما العمل الجبار الذي نهض به الملك وكان له الأثر البعيد في التمكين لعصر النهضة لأوربا المسيحية فهو تأسيسه لمدرسة المترجمين بطليطلة. فقد كان «الفونسو العاشر» ملكا «حكيما» حقا إذ أنه اقتنى اثر العرب في إقبالهم على نقل تراث الفرس والإغريق إلى اللغة العربية فأسند مهمة ترجمة الكتب العربية القيمة بالأندلس إلى اللغة الاسبانية الناشئة آنذاك إلى أساتذة المدرسة الطليطلية المشهورة وطلابها. وكان من بين أساتذة هذه المدرسة علماء مسلمون ويهود وقعوا في الأسر فعهد إليهم ملك قشتالة بتعليم العربية للطلبة النصارى وبالقيام على ترجمة كتب العلوم المنطقية والتطبيقية العربية إلى اللغة القشتالية التي لم تستكمل تكوينها ونشوءها إلا في القرن الثاني عشر. وقد رعى الملك فضل هؤلاء العلماء فأحسن معاملتهم وأجزل لهم العطاء وفرض احترامهم على الناس ولم يجبرهم على الدخول في دين التثليث. ويقول رواة التاريخ الاسباني خلال هذه القرون السبعة الأخيرة أن أولئك العلماء من مسلمين ويهود قد نهضوا بالمهمة المسندة إليهم على أحسن وجه بما أنجزوا من عمل النقل وتعليم الترجمة والإشراف عليها فكان فضلهم على النهضة الاسبانية عظيما. فقد ترجمت الكتب العربية في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة. وكانت العربية لغة الوصل بين الكتب اليونانية القديمة واللغة الاسبانية الناشئة. وليس في وسع ما سبق ذكره أن ينسينا جريمة الإحراق الذي تعرضت له الكتب العربية فيما بعد عندما اشتد طغيان الكنيسة التي قادت حملة الاسترجاع التي انتهت بسقوط غرناطة في اليوم الثاني من شهر يناير لسنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وألف واستبد بالحكم الحبر المتعصب «شيسنيروس» بعد وفاة الملكة «أسابيل الكاثوليكية» في السنة الرابعة من القرن السادس عشر. ومن المؤرخين الاسبانيين والأجانب من يقول أن عددا هاما من الكتب التي ترجمت إلى اللغة الاسبانية في طليطلة لم يسلم من النار التي أوقدها الحبر لما أصبح وصيا على العرش وأخذ نفسه باجتثاث أصول الثقافة العربية من البلاد.

ولست أريد في هذا المقال أن افرغ لذكر المؤلفات التي تم نقلها أو التي عبثت بها ريح التعصب العاتية فأضاعت فائدتها الجليلة على الإنسانية جمعاء وهي التي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٢٠