تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 51

عروبة البربر

للأستاذ: الحسن السايح

لقد طال التصدي للوحدة المغربية والمتساكنين المغاربة الآمنين واستمرا المستعمرون الخوض في هذا الموضوع الخصب ليروا الشمل الذي جمعه الله قد افترق والعقد النضيد وقد تناثر إلى عقول الناشئة، الذين تلقوا عن الأساتذة والباحثين أفانين من الكلام المزور والنقد المغرض كل ذلك بدعوى الثقافة والبحث، ولقد سلك الباحثون المستعمرون أخس مسالك التضليل فلجوا في غمرة الموضوع مضللين ضالين، وجعلوا من حرية البحث ذريعة إلى الفوضى وضيق الأفق والغرض الدنيء واعوجاج الرأي، وقد اتخذوا هواهم وسيلة إلى مسخ الحقائق، وبث سموم الشك، وإرهاق الحق وإعلان الباطل ولكن لم يتم لهم شيء من ذلك ولن يتم لأن الشمس الساطعة لا تحجب نورها الأيادي الواهية، ولان الحق لا يغالبه الباطل مهما طال الزمان وكبر الادعاء.

إذا كانت الوحدة المغربية عاطفة وطنية، تتأجج في كل قلب، وأنشودة حية تتدفق على كل لسان، فإنها كذلك حقيقة واقعية تؤديها الحجة التاريخية والعوامل السالبة والبراهين الاجتماعية.

وقد حدث في هذه العاطفة الوطنية إلى كتابة هذا الموضوع الذي أعزز فيه الأماني الغالية بالأبحاث التاريخية ليكون الاقتناع مرتكزا على أساس الازدواج العاطفي والعقلي، وشيء آخر دفعني إلى كتابة هذا الموضوع، ذلك هو الرد على آراء المستشرقين الذين ارتكبوا شططا، وتسنموا الأوعر ليبطلوا ما أحقه التاريخ ويزيفوا ما تمالأ عليه المنصفون من الباحثين، حيث يظهروا المغرب في صورة شوهاء، مفترق الأجناس متباعد الأصلاب، مختلف الألسن واللغات، لكم ترك هؤلاء من تأثير سام خالط عقول الناشئة فأوهن منها أصالة الرأي حتى أصبحت تشك في الحقائق الواضحة، وتجادل في القواعد المسلمة وترى أن هذه الوحدة عاطفة وطنية قبل أن تكون حقيقة تاريخية، وتدل الآثار على أن المغرب كان مسكونا منذ عشرة آلاف سنة تقريبا بسكان سود البشرة ثم انقرضوا وهاجر إليه سكان الصحراء الكبرى الذين كانت بلادهم خصبة أول الأمر ثم استحالت تحت عوامل جيولوجية إلى صحراء، كانت بلاد المغرب موطنا للسلالة السامية منذ آلاف السنين حيث آوت أول الأمر عناصر أمازيغ التي اقتحمت سهولها واعتصمت بجبالها المنيعة منذ عهود عريقة في القدم.

ولم يكن هؤلاء الامازيغ إلا أجداد البرابرة الذين استعجم الكنعانيون لغتهم فلقبوهم بهذا اللقب كما يرى ابن خلدون، على أن اسمهم تحتفظ به السجلات القديمة في أهازيج الرومان القدماء وتاريخ الفراعنة المصرين وفي أعشار العرب الجاهليين ومن المفيد أن نذكر هنا أنفة الشعب البربري من هذا اللقب الذي يدب في مختلف اللغات على معنى بدئ، فهو في اللغة اليونانية وصف مأخوذ من أصل يفيد معنى الوحشية وهو في اللغات السامية كالكنعانية دال على الاستعجام وعدم فهم مدلول اللفظ في الكلام حسب تفسير ابن خلدون، لذلك انفوا من هذا اللقب في مختلف الأمصار إلى اليوم، وما يزالون يعتبرون اسمهم (أمازيغن) أي الرجال الأحرار، المشتقة من الكلمة البربرية أمازيغ أي الوطن الحر، وهذا الاسم الحقيق دال على تأييد لغوي لنسبتهم إلى الفصيلة السامية لا إلى العنصر السلتي بدعوى أن كلمة (البربر) هي كلمة يونانية أطلقت قديما على هذا الشعب المتوحش الطباع، لان كلمة (باربار) هي في اللغة اليونانية صفة لكل شعب متوحش وليست علما على هذا الشعب بالذات بل أن اليونان لم يكونوا يعرفون البربر عن طريق الاحتكاك وإنما عرفوهم بواسطة مؤرخيهم (كهيقاطس) الذي استقى معلوماته البربرية من المصريين (وهيردومتس) الذي اقتبس معارف سابقه (هيقاطيس) ولم يزد عليها كثيرا ... وهذه المعلومات لا تبيح لهم أن يلقبوهم بلقب إنما يعطي لمن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣١٣