أما عمر فحدث عن البحر ولا حرج، وأروع مثال لذلك قصة طلحة مع العجوز العمياء المقعدة التي كان عمر يتردد على بيتها ليلا ليخدمها ويصلح شأنها.
وكان علي بن أبي طالب بأمر عماله بأن يبحثوا عن الضعفاء والبائسين وذوي العاهات العاجزين في كل جهة ومكان، ويسندوا أمرهم إلى أهل الثقة والخشية والتواضع -ليتولوا شؤونهم ويسهروا على مصالحهم. ولنأخذ على سبيل المثال ما كتب به علي إلى عامله بمصر مالك بن الحرث الأشتر في عهد طويل يحوي ضروبا من السياسة الحكيمة قال في جملة ما أوصاه به على الضعفاء وذوي العاهات:
ثم الله الله في الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمني «ذوي العاهات من مكفوفين وغيرهم» -فلا تشخص همك عنهم، ولا تصغر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون، وتحقره الرجال، ففرع لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم، ثم أعمل فيهم بالأعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين على سبيل المثال وصية علي بن أبي طالب في شأن هؤلاء ليتجلى لنا في أجلى مظاهره، وأبرز صوره ما كان للمسلمين عموما، والخلفاء خصوصا من الاهتمام البالغ بحقوق الضعيف والسهر الدائم على مصالحه، والحرص الشديد على راحته واطمئنانه، وجعله يعيش عيشة راضية، ويحيا حياة كريمة -لأنه- كما يقول علي- أحوج الناس إلى الإنصاف.
ومهما يكن من أمر فإن فكرة جمعية إنقاذ الضرير أو الرفق بالضعيف مما سبق إليه المسلمون بمآت السنين، وطبقوه عمليا منذ فجر الإسلام ... على أن ما ذكره حضرة الكاتب من أن القرن العشرين قد اكتشف تعليم القراءة والكتابة للمكفوفين -ليس كما قال- بل كان اكتشاف ذلك حوالي القرن الثامن الهجري على يد علماء العرب.
ذلك أن التاريخ يحدثنا أن العالم الكبير الشيخ زين الدين أبا الحسن علي بن أحمد بن يوسف الآمدي الضرير الذي عاش أوائل المائة السابعة وأوائل الثامنة من السنة الهجرية -قد اهتدى إلى اختراع الكتابة البارزة الخاصة بالعميان- انظر ترجمته في كتاب:
«نكث العميان في نكت العميان» لصلاح الدين الصفدي مع مقدمته لأحمد زكي، وما كتبه عنه من أبحاث بالللغتين العربية والفرنسية وهكذا وفي كل مناسبة يأبى تاريخنا المجيد إلا أن يكون له فضل السبق ف يكل ميدان من ميادين العلم والاختراع ولا يزال ولن يزال يقيم الدليل تلو الدليل على أنه تاريخ حافل برجالات الفكر وعباقرة العلم والفن، فرحم الله ذلك العقل الجبار، وتلك النفس الطموح.
السؤال الأخير
إن السؤال الأخير الذي يستطيع أن يصرحه الإنسان محاسبا لنفسه هو: هل كنت وفيا؟
إلا أن هذا السؤال قد يكون خلوا من كل مفهوم ما لم يراد به:
(هل أهنت نفسي أو غيري في يوم ما؟)
ألبير كامو