تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع6 /دجنبر 1957 .................... ص 43

عاد أبو عبد الله محمد الشيخ إلى مراكش، وأخذ منذ اليوم الأول لوصوله يستعد لإعادة الكرة على فاس، ولم تمض إلا تسعة شهور حتى كان كامل الأهبة، مستعدا للحرب تمام الاستعداد، وهجم على فاس فلم تستطع أن تصمد له، ولم يفد أبا حسون ما احتفظ به من الجيش التركي، ولم يستطع في هذه المرة أن يفلت، فكان أول قتيل في هذه الحرب بينه وبين أبي عبد الله الشيخ.

قتل أبو حسون فانتهى بذلك أمر الدولة المرينية، وأصبحت ملكا خالصا للتاريخ، وأصبح المغرب برمته يدين بالطاعة والولاء لدولة أخرى فتية، سيكون لها في تاريخه شٍأن كبير، وستلد له الأبطال الأمجاد والغزاة الفاتحين، تلك هي دولة السعديين التي أسسها محمد القائم بأمر الله، وكان أول ملوكها في مراكش ابنه أبو العباس أحمد الأعرج، وثاني ملوكها أبو عبد الله محمد الشيخ الذي قضى على دولة المرينيين، وجمع أطراف المغرب على الطاعة والولاء لدولة الأشراف السعديين.

كان أبو عبد الله الشيخ، يتمتع بكل المواهب والصفات التي تجعل منه رجل دولة بالمعنى الصحيح، كان متمرسا بالحرب قادرا عليها، مقداما لا يخاف، وكان مهيبا ذات شخصية قوية طاغية، وكان طويل الأناة والصبر، كثير الأمل، وكان إلى جانب كل ذلك مثقفا متين الثقافة راسخا في العلم، متأدبا، يحفظ ديوان المتنبي عن ظهر قلب، وعالما بالشريعة يحفظ القرآن ويفهمه، ويحفظ صحيح البخاري، ويجادل القضاة في الأحكام التي يصدرونها.

لم يكن يعيبه إلا شيء واحد، ربما كان هو الصفة الغالبة على الرجال الذين ترشحهم الظروف لمثل المهمة التي كان منوطا به إنجازها.

لقد كان عليه أن يرسى قواعد دولة، وأن يثبت حكمها وسيطرتها ونفوذها، وربما كان ذلك يقتضيه -كأمثاله من رجال التاريخ- أن يأخذ بشيء من الحزم، بل وبشيء من القسوة أحيانا، ولكنه كان مسرفا في ذلك مبالغا فيه.

لم يكن يقسو فقط على منافسيه من رجال السياسة والعسكرية والحكم، وإنما كان يتعدى ذلك إلى العلماء والفقهاء والمتصوفة إذا ما خشي منهم على مستقبل ملكه، أو بلغه أنهم كانوا يؤيدون خصومه السياسيين.

وهكذا امتحن أرباب الزوايا، وفتك ببعضهم، وشرد الكثيرين منهم، وقتل الفقيه على بن حرزوز خطيب مكناس، لأنه كان يذكره فيقول: ?وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ؛ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ.? [البقرة: 205 - 206]

وعندما كان محاصرا لفاس قبل فتحها لأول مرة، قيل له إن السكان والأهالي لن يميلوا إليك إلا إذا بايعك الفقيه الإمام عبد الواحد الوانشريسي، فبعث إليه من يخاطبه في ذلك، فقال له الفقيه الوانشريسي (بيعة هذا السلطان في رقبتي، ولا يجوز لي حلها إلا بموجب شرعي، وهو غير موجود).

ولم يرض هذا الجواب أبا عبد الله الشيخ فبعث للفقيه من اغتاله غدرا، وهو راجع من مجلس التدريس بجامعة القرويين.

وعندما فتح أبو عبد الله الشيخ فاسا للمرة الثانية، وقتل أبا حسون آخر ملوك الدولة المرينية بلغه أن الفقيه عبد الوهاب الزقاق الذي تحدثنا عنه في صدر هذا الكلام، كان يميل إلى أبي حسون وينصره، وأنه كان يرى في خروج السعديين على الدولة المرينية شقا للطاعة وتفريقا لكلمة المسلمين وكان ينظر للحروب التي يشنونها على أنها حرب غير مشروعة.

كان الفقيه الزقاق يرى ذلك عن عقيدة ويدعو إليه، فلما تم النصر لأبي عبد الله الشيخ أمر بالقبض عليه، واستدعاه إليه ليتولى محاكمته بنفسه.

كانت المحاكمة قصيرة رائعة، وكانت معروفة النتيجة منذ البداية، لقد صدر حكم الإعدام على الفقيه الزقاق قبل أن يقاد إلى مجلس أبي عبد الله الشيخ، وكان الفقيه متأكدا من نهايته، عارفا أنه ميت لا محالة وأن أبا عبد الله الشيخ لا يستدعيه ليحاكمه، وإنما ليهيئه قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام، فلم يتردد ولم يجبن، ولم يحاول التملص من تهمته، ولم يفكر في الدفاع عن نفسه أو تبرير موقفه، وإنما صمد صمود الأبطال، وعرف كيف يجعل من محاكمته محاكمة له ولخصمه السلطان أبى عبد الله الشيخ في وقت واحد، قال له السلطان أبو عبد الله الشيخ:

اختر بأي شيء تموت؟

فأجاب الفقيه الزقاق:

اختر أنت لنفسك، فإن المرء مقتول بما قتل به.

وتملكت السلطان سورته وشدته، وغلبت عليه القسوة والكبرياء والأنانية، وصدمه جواب الفقيه الزقاق، فصاح في المحيطين به من حاشيته وجنوده:

اقطعوا رأسه بشاقور.

-يتبع-

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢١٧