ان يتبعون الا الظن وما تهوى النفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، أم للإنسان ما تمنى (النجم: 23 - 24) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأظله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله (الحاثية: 23)
ومن أضل ممن اتبع هواه هدى من الله، ان الله لا يهدي القوم الظالمين (القصص: 50).
والطائفة الثانية كان يمثلها في زمان نزول القرآن بنو إسرائيل، وهم كانوا يدعون أنفسهم خلف موسى عليه السلام ومتبعي التوراة، إلا أنهم كانوا في عقائدهم ومعاملاتهم في الأغلب على خلاف ما جاء به موسى عليه السلام والتوراة، ثم كانوا لا يخجلون على انحرافهم ذلك، وبدل ان يصححوا أفكارهم وأعمالهم حسب تعاليم التوراة كانوا يحرفون الكلم ويؤولون المعاني في التوراة ليطابقوا بين كتاب الله وأفكارهم وأعمالهم، وكانوا يخفون تعاليم التوراة الأصلية ويعرضون مكانها أفكارهم أنفسهم كأنها هي تعاليم التوراة الأصلية ويعرضون مكانها أفكارهم أنفسهم كأنها هي تعاليم التوراة. والذين ينبهونهم على ذلك الضلال والعصيان ويدعونهم إلى اتباع كلام الله على مالا يهوون، فكان هؤلاء يجازونهم بالسب والشتم والتكذيب، وحتى بالقتل في بعض الأحيان، فقال الله تعالى في هذه الطائفة:
يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم (المائدة: 13).
يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون (آل عمران: 71).
كلما جاءهم رسول بما لا تهوى انفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون. (المائدة: 70).
ثم يقول لهم بصراحة: لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما انزل إليكم من ربكم (المائدة: 68).
وفي الطائفة الثالثة قال الله عز وجل:
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (البقرة: 170).
وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (المائدة: 104).
وان تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، ان تتبعون الا الظن وإن الا يخرصون (النعام: 116).
ان الذين لا يستعملون عقولهم وأفهامهم ولا يميزون بأنفسهم بين الصحيح والزائف، بل يقلدون غيرهم تقليدا أعمى، يحكم عليهم القرآن بأنهم: صم بكم عمي فهم لا يعقلون، ويشبههم بالأنعام، بل يجعلهم أحط منها لأن النعام غير ذوات العقل، وهؤلاء ذوو العقل، ولكنهم لا يستعملونه، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون.
هذه الطبقات الثلاث التي هي واقعة بين الإفراط والتفريط في عقائدها وأعمالها يردها القرآن الكريم ويريد أن يأتي مكانها بأمة تلتزم القصد والاعتدال، أمة وسط، قوامين بالقسط.
وما هو طريق القصد والاعتدال هذا؟ هذا الطريق هو أن تشقوا عن أعينكم جميع الحجب التي قد أسدلتها عليها التقاليد القديمة والتعاليم العصرية، فافتحوا أعينكم على ضوء العقل السليم، وانظروا ما الحق وما الباطل، الإلحاد صحيح أم التوحيد؟ والتوحيد حق أم الشرك؟ وهل الإنسان لاحل أن يسلك سواء السبيل مفتقر إلى هداية الله أم لا، وهل كانت الأنبياء عليهم السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم صادقين في رسالتهم أو كاذبين (معاذ الله من ذلك) والطريقة التي يدعو إليها القرآن الكريم هل هي مستقيمة أو ملتوية معوجة، فإن شهد قلبكم بان الإيمان بالله تعالى هو ما تقتضيه الفطرة الإنسانية، وأن الإله في الحقيقة هو الذي لا شريك له، وأذعن ضميركم بأن الإنسان لاشك مفتقر إلى نور من عند الله لأجل أن يسلك في حياته سواء السبيل، وهذا النور هو ما جاء به الأنبياء والمرسلون الذين كانوا هداة صدق للنوع البشري في كل زمان، وان دلكم النظر في الحياة الطيبة التي حياها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا على أن إنسانا من هذا الطراز السامي لم يكن ليخدع العالمين، وإذا كان قد أدعى انه رسول من عند الله فلا بد أن يكون صادقا في دعواه، ثم إن قرأتم القرآن وحكم عقلكم بان الطريق المستقيم لاعتقاد المرء وعمله هو الذي قد عرضه هذا الكتاب، وهذا الكتاب هو لاشك من عند الله -فعليكم ألا تخافوا عندئذ لومة لائم أو مخالفة عنيد، بل ثقوا قلوبكم من خوف النقص وطمع الربح، وآمنوا بالذي قد شهد بصدقه شاهد نفسكم وضميركم.