دعوة الحق، س3 ع5 /نونبر 1962 .................. ص 32
نصوص تاريخية: رسالة الكاتب بن أبي الخصال التي نال فيها من كرامة الموحدين
للأستاذ: عبد الله كنون
عرف المرابطون بالحلم والتسامح والإغضاء حتى أنهم لم يريقوا محجم دم في غير ساحة القتال، وموقف يوسف بن تاشفين من المعتمد بن عباد معروف، بل ومن غيره من ملوك الطوائف ورؤساء الأندلس الذين سلموا فسلموا، بعدما كان منهم ما كان من الشغب والخلاف على إثر واقعة الزلافة الشهيرة، مما كاد يودي بحياة الشعب العربي في الأندلس مرة أخرى لولا مسارعة يوسف بتلبية رغبة هذا الشعب في النجدة والانقاد.
وقد أدت تصفية ملك الطوائف على النحو المعروف في التاريخ إلى إثارة حملة شعواء على المغاربة عموما والمرابطين خصوصا من طرف العناصر الفئات التي كانت تستغل الوضع الفاسد الذي كان قائما في الأندلس لمصلحتها الخاصة، ومن هؤلاء جماعة من الأدباء المنحلي الأخلاق الذين كانوا يجدون ما يرضي غوايتهم عند سادة العهد البائد، وآخرون من ذوي الطموح السياسي الذين لم يرضوا الترضية الكافية فلجأوا إلى التشنيع والتقول على الدولة الجديدة.
ولعل صاحبنا أبا عبد الله بن أبي الخصال كان من الفريق الثاني، إذ لا نستطيع أن نضمه بأنه كان منحل الأخلاق، وهو إلى أن يعد في العلماء وأهل الرواية والحديث أكثر من أن يعد في الأدباء فضلا عنت اصطناع المرابطين له واستكتابهم إياه من قديم وهم لم يكونوا يقربون إلا أهل المروءة والدين من العلماء والأدباء. يقول ابن الآبار في ترجمته من المعجم: «محمد بن أبي الخصال واسمه مسعود بك طيب بن فرج بن خلصة الغافقي أبو عبد الله ذو الوزارتين .. سكن قرطبة وأوليته من قوية بشقورة تسمى فرغليط وبها نشأ ومنها تردد في طلب العلم والأدب» وذكر جملة من مشايخة ثم قال: «وعني بالحديث فأتقنه وأما البلاغة، فإليه انتهت وعليه قصرت وبموته فقدت». وصفه بهذا أبو القاسم بن حبيش. وقال فيه ابن بشكوال مفخرة وقته وجمال جماعته. قال «وكان متفننا في العلوم مستبحرا في الآداب واللغات عالما بالأخبار ومعاني الحديث والآثار والسير والأشعار أحد رجال الكمال». وسمعت شيخنا أبا الربيع موسى يقول سمعت أبا الحسين عيد الرحمن ابن أبا عامر الأشعري يقول سمعت الفقيه أبا مروان بن مسرة يقول لم ينطلق اسم كاتب بالأندلس على رجل مثل أبي عبد الله بن أبي الخصال ... وحكى لنا شيخنا أبو الحسن ابن سراج أن خاله أبا بكر بن خير وأبا القاسم بن بشكوال وأبا القاسم بن غالب المعروف بالشراط قصدوا ذات يوم قبر أبي عبد بن أبي الخصال وقد وعدوا أحد تلاميذهم أن يقرأ هناك عليهم قصيدته البائية التي وسعها بمعراج المناقب ومنهاج الحسب الثاقب قال: «وكنت فيمن صحبهم لأخذها عنهم فسمعتهم يترحمون عليه ويقولون عند انتهائهم: السلام عليك يا زين الإسلام» قال ابن الآبار: «ومع كماله لم يحظ من امرأ عصره بآماله، وهي عادة الأيام العادية في أمثاله، تواري لما بهى، وخفى أضعاف مما ظهر، وصار أخوه أبو مروان بالكتابة عنهم أشهر، والذي قعد بأبي عبد الله هو قيام ابن الحاج أمير قرطبة على ابن تاشفين وثورته التي نكب عنها، ونجا، ولكن كيف نجا منها؟ وكان حينئذ أوثق حاشيته وأسبابه، وألصق وزرائه به وكتابه مع أن اختصاصه لم يكن إلا بابنه أبي يحيى أبي بكر بن أبي عبد الله حتى وسمه بذي الوزارتين فجرت عليه تخصيا بعنايته، ومكافأة لكفايته، فكم جلى من تلك الخطوب الجلائل، وأبلى باليراع والرسائل مكان ذوات العمود والحمائل، ولما استقل ابن الحاج وولى ما ولى من أعمال المغرب ..