تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أن الصورة المثلى للزواج أن يكون مكونا من رجل وامرأة، والإسلام يحرص على تحقيق هذا المثل الأعلى ولكن الحياة معقدة ومتشبعة الجوانب لا تحتمل صورة واحدة ولا تتطلب حلا واحدا لاختلاف طبيعة الأفراد والظروف، والإسلام لا يغفل هذه الحقيقة في جميع تشريعاته لأنه امتاز بالمرونة وبمواجهة المشاكل بروح واقعية غير سابح في جو من الخيالات والمثالية التي لا تتحقق إلا في الأذهان دون أن يكون لها أي مدلول اجتماعي، فكان على الإسلام أن ينظم العلاقات الجنسية التنظيم الذي يسد منافذ الفساد ويقطع الطريق أمام كل انحراف، فقد وجد تعددا خطيرا وفسادا مستشريا كما وجد عادة الوحدانية عند الرومان واليونان، وفي كل من الطرفين خطرا، وخير الأمور أوسطها، فأباح التعدد إلى حد معين وبقيود، وصرح بأن هذه الإباحة تكاد تكون من المحظورات يقول تعالى: «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» ويقول «ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم» وأفهم من هذه الآية الكريمة أن في التعدد نوعا من الإثم ولكن تخففه الضرورة الاجتماعية، ويبدو لنا معنى هذا المباح الذي يكاد أن يكون محظورا أو هذا المحظور الذي أبيح للضرورة في مسلك رسول الله (ص) عندما أباح لعلي كرم الله وجهه ليتزوج على ابنته فاطمة، ولكن بعد ما اتصلت به ابنته وعاتبته على إذنه للعشيرة التي كان سيتزوج منها علي بأن يزوجوه ابنتهم تراجع وخير عليا أن يطلق له ابنته أو يمتنع عن الزواج عليها.

والإسلام ينظر إلى المشاكل نظرة شاملة وعميقة فهو قد منع الزنا باعتباره خطرا على الصحة العامة والحياة الاجتماعية، وقد شدد في هذا المنع ووضع عقوبات تصل إلى الرجم بالنسبة للمحصن ولكنه مع ذلك لم يغفل الغريزة الإنسانية التي قد تنفجر وتطغى إذا لم نجد لها منافذ معترفا بها وشرعية تزودها بالحل الضروري لحالتها، وحينئذ، يفوت المراد من الإصلاح وتنطلق الغريزة الجبارة تشبع جوعها بطرق شتى، وفي ذلك أضرار وإضرار، ولذلك، لم يمنع الإسلام الزنا وكفى، بل عمل على منع أسبابه واحتاط لذلك أشد الاحتياط، وتشريع التعدد في الإسلام كان احتراما واستجابة لهذه الحقيقة التي تعد سببا من أسباب التعدد كما سنعرض بعد، والفرق بين التشريع الإسلامي والتشريع الأوربي هو أن الأول كان صريحا في معالجته لهذه المشكلة، في حين أن هذا الأخير اكتفى بوضع القانون الصارم وغض النظر عن النتائج الخطيرة التي تتجسم في التعدد غير الشرعي خارج البيت والقانون، وقيمة التشريع ليست فيما يحويه من أفكار مثالية فقط ولكن بما يحققه أيضا من سعادة المجتمع ورفع مستواه الأخلاقي، وبما له من القدرة على التنظيم الاجتماعي الذي يهب للمجتمع شروط سعادته، وعناصر قوته، غير تاركين أي ثغرة ينفذ منها الفساد، والإسلام قد جمع بين المثالية والواقع، وتلك ميزة لا تتوفر إلا في تشريع السماء، وقد أعجب الدكتور غوستاف لوبون بنظام التعدد في الإسلام الذي لم يكن منافقا أو مموها كالتشريع الأوربي فقال: «إن تعدد الزوجات على مثال ما شرعه الإسلام من أفضل الأنظمة وأنهضها بالمستوى الأخلاقي في الأمم التي تقول به انه يزيد الأسرة ارتباطا ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تراهما في أروبا كما نجد شوبنهور الفيلسوف الألماني يدعو بكل قوته إلى مبدأ تعدد الزوجات فيقول: إما آن لنا أن نعد بعد ذلك تعدد الزوجات حسنة حقيقية لنوع النساء بأسره» وترى بعض الكاتبات أن المخلص الوحيد من الشقاء الذي تعيش فيه الانجليزيات هو إباحة التزوج بأكثر من واحدة وتتخذ بعض الانجليزيات الإسلام مثلا أعلى لسعادة المرأة، فالتعدد إذن حسنة في رأي هؤلاء لأنه أضمن وسيل لاستقرار الأسر التي تتعرض لكوارث مختلفة.

ومن المعلوم أن الإسلام لم يجز التعدد إلا بشروط ولضرورة ملحة سدا للأمراض الناجمة عن غلق باب التعدد أحيانا، ولهذا المبدأ سندا من العلم والواقع الذي يبين الأسباب الحقيقية لهذا التشريع: فالدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة تبين في وضوح أن التجربة دلت العلماء على أن حالات الوفاة في الأجنة تكون نسبة الذكور فيها أكثر من نسبة الإناث، وكما أن الوفيات لدى الأطفال الذكور أكبر نسبة من الأطفال الإناث بسبب استعداد الذكر للمرض أكثر من الأنثى وبسبب التفاوت أيضا في القدرة على مقاومة أسباب المرض والموت، وهناك سبب آخر وهو أن عمليات الهدم الكيميائية الفسيولوجية متغلبة على الذكر على عمليات البناء، ونتيجة لذلك، وللحروب كانت نسبة النساء أكبر من الرجال في العالم، وقد دلت الإحصائيات الأخيرة أن النساء في العالم أكثر من الرجال بنسبة 2% ونشاهد اليوم بعض الأمم تعاني مشكلة ازدياد نسبة النساء، ففي البابان يوجد مليون ونصف امرأة بلا رجال كما صرح بذلك مكتب الإحصاء

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٦٢