تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 20

الإسراف هو الإنفاق على المعاصي

بقلم: علي فخر الدين

ألقى الأستاذ أحمد مظهر العظمة محاضرة من محطة الإذاعة في دمشق يوم الثلاثاء 10 من ربيع الثاني 1379 لموافق 12/ 10/1959. وقد ذكر في حديثه أن الإسراف هو تجاوز الحد بالإنفاق على المباحث، حتى جعل تجاوز الحد بعمل الخير إسرافا، وساق في حديثه قوله تعالى في سورة الأنعام «كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» وهذا الفهم لمعنى الإسراف وبالتالي لحكم الشرع فيه، وإن غلب على أذهان الكثيرين ولكنه غلط محض ويخالف ما تعنيه كلمة مسرف شرعا، وهو أيضا مخالف لحكم الإسراف في الشرع، وهو استعمال للمعنى اللغوي فيما وضع له الشرع، وترك للمعنى الشرعي، ففي اللغة الإسراف هو تجاوز الحد والاعتدال ضد القصد، ولكن هذا المعنى اللغوي قد وضع له الشارع بجانبه معنى شرعيا مع بقا المعنى اللغوي، كما هي الحال في كلمات «الصلاة» «الزكاة» «الطهارة» وغيرها من الألفاظ التي لها معاني لغوية وقد وضع الشرع لها معاني شرعية، فلا يصح أخذ المعنى اللغوي من الجملة المراد فيها المعنى الشرعي كما لا يصح أخذ المعنى الشرعي الذي وصفه الشاعر للإسخأأراف فهو غير المعنى اللغوي، إذ وردت كلمة الإسراف والمسرفين بمعان متعددة، فوردت وأريد بها إنفاق المال فيما نهى الله عنه، ووردت وأريد بها مجاوزة الحد فيما حدده الله وبينه. وهي بجانب الإنفاق محصور معناه شرعا في إنفاق المال فيما نهى الله عنه، فكل نفقة أباحها الله تعالى وأمر بها كثرت أم قلت فليست إسرافا وكل نفقة نهى الله عنها قلت أم كثرت فهي الإسراف، لأنها مجاوزة للحد الذي حده الله بأوامره ونواهيه، وقد روى عن الزهري أنه كان يقول في قوله تعالى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط» كان يقول في هذه الآية «لا تمنعه من حق ولا تنفقه في باطل». على أن قوله في الآية «كل البسط» البسط جائز، وأما كل البسط فهو المحرم والبسط يكون بسطا في الحرام وبسطا في الحلال.

وقد وردت كلمة الإسراف في القرآن الكريم في عدة آيات «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» فالإسراف هنا إنما هو الإنفاق في المعاصي أما المباحث فلا إسراف فيها، ومعنى الآية لا تنفقوا أموالكم في المعاصي ولا تبخلوا بها عن المباحات، بل أنفقوها على ما هو أكثر من المباحات إي على الطاعات، فالإنفاق على غير المباحات مذموم، والبخل عن المباحات مذموم والممدوح هو الإنفاق على المباحات والطاعات، قال تعالى «ولا تسرفوا أنه لا يحب المسرفين» وهذا ذم من الله للإسراف وهو الإنفاق على المعاصي.

أما كون الإسراف هو مجاوزة الحد فيما حدده الله تعالى فهو في قوله تعالى «وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين» أي لا تخرجوا مقدارا للزكاة مما فرضه الله فيها لأنه زيادة عما أمر الله بإخراجه، ومثل هذا أيضا نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإسراف بالماء ولو على نهر جار، فإنه عليه السلام أراد الإسراف في الوضوء أي غسل العضو أكثر من ثلاث بدليل قوله عليه السلام للأعرابي حين سأله عن الوضوء بعد أن أراه ثلاثلا ثلاثا «هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلمساس وتعدى وظلم» فالمعنى الشرعي للإسراف في الآية والحديث هو مجاوزة الحد عما أمر الله به، وليس معنها الإنفاق الكثير في المباحات، فالمقدار في الزكاة وفي الوضوء حكم شرعي وزيادته أو نقصانه تغيير بشرع الله، وقد وردت كلمة الإسراف في معان شرعية أخرى فوردت كلمة المسرفين المعرضين عن ذكرى الله، قال تعالى: «فلما كشفنا عنه ضره مر كان لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥٩