تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أعقاب الحروب عندما يزدحم الشعور بالقلق والمتاعب والشقاء يبحث الإنسان عن الخلاص فإما أن يجده في أحضان الدين، وإما أن يتمرغ في أوحال الشهوات حتى ينسى آلامه ويهرب من واقعه الكارب الأليم.

وعصرنا هذا عصر القلق، وإنسانه بائس مكروب، آلام تطعنه، وأزمات تستبد به حتى تخرجه من حد الإنسانية القديم، وما يكاد ينجو من أزمة حتى تحيط به أزمات تأخذه من كل أطرافه، وما يستطيع منها فكاكا أو خلاصا لأنها تنبعث من قرارة نفسه، وتتلاقى بأزمات تستهدفه من خارجها، فكأنه بين فكين لا مفر من أن يطبقا عليه إطباقا، فهو مضطرب لا قرار له.

وإنسان هذا حاله، وهذه حياته، يريد خلاصا بأي ثمن، والاتجاه المادي الخطر زاد من استئساد هذه الأزمات وتوحشها، ووضع الإنسان وسط جحيم من الآلام التي لا تطاق، فما طريق خلاصه؟

الجواب: هو الدين، ولن يستطيع مذهب اجتماعي -مهما كان إنسانيا- أن يكون بديلا صالحا عن الدين.

وهنا يبرز واجب المسلمين الذين وكل إليهم أمر قيادة العالم إلى ما فيه صلاحه وخيره، لأن الإسلام أقام البرهان الصحيح على أنه الدين الصالح للحياة بكل من فيها وما فيها، ومن خير براهينه أن الأديان أخذ إتباعها يقلون إلا الإسلام، فإن إتباعه يكثرون، ولعله -الآن- أكثر الأديان السماوية إتباعا، فعددهم أكثر من اليهود وأكثر من المسيحيين، لأن الشيوعية أكلت دولا مسيحية في أوروبا كما أن روسيا التي كانت وطن مائة مليون مسيحي وأكثر قد استحالت شيوعية لا دينية، فإذا طرحنا من عدد المسيحيين في أوربا أو في العالم عدد سكان روسيا وبولندا والمجر ويوغسلافيا وكل الأمم التي استبعدتهم فإن من يبقى منهم يعد أقل من المسلمين.

فهل قام المسلمون بواجبهم؟

يؤسفني أن أقول: لا.

وأنا أعرف جماعات إسلامية في الهند وفي باكستان وأفرادا في العالم الإسلامي والعربي يقومون بواجب الدعوة ويعلنون مزايا الإسلام ويعرضون حقيقته، ولكن هذا النشاط محدود لا يكفي لإظهار الإسلام والدعوة إليه بين الشعوب الأوربية وغيرها، بل لابد من نشاط الحكومات الإسلامية حتى نقف أمام خداع الماركسية ونمنع تسللها ونقضي عليها قبل أن يقوم لها كيان في ربوع البلاد الإسلامية، وحتى نستطيع إلى نشر الإسلام سبيلا لننقذ العالم.

فالإسلام بخير، وسيظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وما زالت الأمة الإسلامية أمة متدينة أكثر من الأمم المتقدمة تقدما حضاريا عظيما، ثم هناك فرق بين دين الإسلام وأديان الأمم الحضارية الحديثة في النوع، لأن دين الإسلام قائم على أسس لا تمتد إليها يد الفناء والضعف، أسس مبنية على الروح والمعاني والقيم، أما أديان الحضارة فمادية، وشتان ما بينهما.

إن واجب المسلمين -حكومات وشعوبا- جد عظيم في هذا العصر، فأوربا -التي خرجت من الدموع والدماء- تربة خصبة صالحة للإسلام، وقد أسلم فيها كثيرون وجدوا في الإسلام ما كانوا يتمنون من راحة وسعادة وطمأنينة، ومع أن التغيير -بعد إسلامهم- لم يزد في رخائهم المادي غلا أن الطمأنينة النفسية التي ملأت رحاب نفوسهم جعلت حياتهم مسرة وراحة ونعيما، فهم صابرون عل ى التعب المادي، ولكنهم منعمون بالراحة النفسية.

إنهم كانوا من قبل في تعب مادي وتعب نفسي، وتخلصوا من التعب النفسي بعد إسلامهم، ويكفي هذا، فقد تخلصوا من عدو في داخل نفوسهم كان يفتك فيها فتكا، وشعروا ببشاشة الإنسانية من جديد على يد الإسلام.

لقد أصبح الجو صالحا للإسلام، وإن نظمه الاجتماعية والسياسة والاقتصادية كفيلة أن تفتح له أبواب النفوس الضالة الحائرة، ولا تحتاج إلا إلى مئات من الدعاة الفاهمين يجربون الأقطار فيجدون أمامهم السبيل معهدا.

فهل تقوم الحكومات الإسلامية بهذا الواجب الإنساني وتعمل لإنقاذ الإنسانية مما هي فيه من الشقاء، وتبدل خوفها أمنا، وشدتها رخاء، وتعبها راحة، وتحرس المجتمع الإنساني من شيطان الماركسية ببناء صرح الحضارة والمدنية والإنسانية؟؟ ..

عن مجلة «الوعي» الباكستانية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٥٣