أدبنا العربي من نصوص أدبية تصور الحياة الاجتماعية وذلك باستثناء مقامات الحريري وبديع الزمان الهمداني، وبعض آثار الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وحديث عيسى بن هشام، ونصوص أدبية أخرى نعثر عليها من حين لآخر، حتى أنها لقلتها أصبحت تحتل مكانة فريدة في الأدب نظرا لاتجاهها الفريد الغريب في بابه، هذه هي الحقيقة في أدب المناسبات، ونحن إذ نعزو هذه الأمور إلى هذا النوع من الأدب، فإن تاريخ الأدب يؤيدنا في ذلك، ولا مفر من الاعتراف بهذه الحقيقة.
ولقد قلت وأكرر القول بأن تخليد الحوادث ذات الصبغة القومية وإبراز معاني البطولة في بطل برهن على بطولته لا يدخل في نطاق أدب المناسبات، وإنما هو داخل في صميم الأدب الإنساني الذي يتفاعل مع الحوادث، ويتملى منها ثم يخرجها عصارة من إحساسه ومن شعوره الصادق الذي يتأثر ويحس ويشعر ويؤمن قبل أن يكون نوعا من أنواع الأدب، فالأدب الذي يقال بمناسبة أعيادنا المجيدة لا يعد من أدب المناسبات بل إنه انسكاب لعواطف قومية تعبر عن إحساسات شعب، ثم إن الأدب العربي وبعض الآداب العالمية الأخرى لم تتأثر كثيرا بأدب المناسبات، ولم يكن لهذا النوع رواج في أسواقها، ومن ثم فإن تلك الآداب تفادت الكثير من عواقب أدب المناسبات، التي كان من الممكن أن تستأثر بقرائح الأدباء وتصرفهم إلى انتظارها ليقولوا ما يتفق مع هذه المناسبة وليستمدوا منها بواعث إنتاجهم، ولو أن بينها وبين شعورهم أسوارا من فولاذ! ولا يعد هذا تنقيصا من قيمة الأدب العربي وترجيحا للآدب الأخرى عليه، وإنما هي عوارض ضعف اعترضت جميع أنواع الآداب في عصورها المختلفة فكان لكل أدب جانب من الضعف في جميع الحالات، ولأن الشيء الذي لا يمكن إغفاله ولا إخفاؤه كذلك أن ظروفا اجتماعية خاصة تحكمت في الأدب العربي وعاقته عن التحرر، ومن هذه الظروف بل وفي طليعتها هذا النوع من أدب المناسبات الذي جعل الكتاب والشعراء لا يستمدون مادة الأدب إلا من بيئة خاصة، وهذه البيئة لا يمكن أن تمدهم بهذه المادة إلا في مناسبات، على أن الأدب العربي في الوقت الحاضر قد أخذ يتحرر من كل هذه القيود، وأخذ يبني لنفسه مكانة تجعل منه أدبا إنسانيا يتأثر بكل ما يقع تحت حسه، في أي زمان وفي أي مكان، ولا أعتقد أن أدب المناسبات يمكنه فيما بعد اليوم أن يقيم سوقا في المجتمع العربي، ذلك لأن المجتمعات العربية أخذت تعلن إرادتها وتعبر عن وجودها، ولا بد للأدب أن يتفاعل مع هذه المجتمعات وينتج أدبا صادقا في شعوره وإحساسه، معبرا عن آلام وآمال هذه المجتمعات في كل وقت وفي كل حين، لأن الآلام والآمال موجودة في كل وقت وحين ولأنها هي الحياة، والأدب لا يكون أدبا صحيحا إلا إذا كان مرآة للحياة، لا مرآة لنوع خاص من الحياة.
وبعد، فهذه ملاحظات عرضت لي وأنا أقرأ افتتاحية العدد الماضي، وهي آراء قد يرى فيها البعض حكما قاسيا على أدبنا، ولكنه حكم أتحمل مسؤوليته، لأنني لم أصدره إلا بعد تفكير طويل، على أنه بالنسبة للقراء وللكتاب رأي قابل للمناقشة ..