تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 26

في أدب المناسبات

للأستاذ: أحمد زياد

تحدثت افتتاحية العدد الماضي من مجلة «دعوة الحق» عن أدب المناسبات، وتوصل كاتب الافتتاحية إلى أن أدب المناسبات أدب مشروع، وأنه نوع من الأدب الذي يعبر عن واقع الحياة.

وأن القرائح التي تتفتح «لاقتناص» «الجوائز الأدبية» إنما هي قرائح يسلك أصحابها طريقا مشروعا سلكه الأدباء الأولون من كتاب وشعراء، وأعتقد أن افتتاحية «دعوة الحق» قد وقع فيها بعض الخلط فيما بين الجوائز الأدبية التي لا تصطبغ بصبغة التكسب عن طريق الأدب، وبين هذه الجوائز التي تعبر مظهرا ومخبرا عن هذا النوع من الأدب، وأعني بالتكسب هنا ذلك النوع من الأدب المنافق الذي تزخر به بعض كتب الأدب العربي، وأعتقد كذلك أن هذا النوع من الأدب قد يكون ممثلا لجانب من جوانب الحياة الاجتماعية، ولكنه لا يمثل الأدب الصادق النابع عن شعور وإحساس، ولقد وسم الأدب العربي بكونه أدبا أرستقراطيا لأنه لا يعبر عن واقع صادق، ولا عن واقع مشوب بخيال فني من شأنه أن يضفي على هذه الواقعية طابعا فنيا يجعل من هذا الأدب أدبا أصيلا، وكان أدب التكسب هو السبب الأول في وسم الأدب العربي بهذه السيمة.

فالشعراء والكتاب الذين كانوا يتزلفون أصحاب السلطة وذوي الجاه، ويسبغون عليهم أوصافا من مكارم الأخلاق، بينما هم يعلمون أن أولئك الأشخاص لا يتصفون إلا بما يناقض مكارم الأخلاق، أقول: إن الشعراء والكتاب من هذا النوع إنما هم في رأيي أصحاب حرفة وناموس، ومن ثم فإن الأدب الذي خلفوه وراءهم في هذا المضمار لم يكن يمثل واقع الحياة، وإنما كان يخلق أشياء تناقض الواقع.

والشاعر أو الكاتب الذي يسجل خلاف ما يعتقده وخلاف ما يراه الناس في واقع الحياة من الممكن أن يقال عنه إنه كاتب أو شاعر، ولكن لا يمكن ولن يمكن أن يقال عن أدبه إنه أدب من النوع الأصيل الذي يمكن وضعه إلى جانب الأدب الأصيل الذي يصدر عن إحساس وشعور، وليس عيبا في حق الكاتب أو الشاعر أن يتخيل ويخرج من محيطه الواقعي، ولكن العيب هو أن يتخيل الكاتب أو الشاعر لكي يمسخ الحقائق ويطمسها، ويجعل من شعره أو نثره مرآة تنعكس عليها صور تخالف كل المخالفة ما يحس به الناس، وما يشعرون به، فالشاعر الذي يمدح الجائر، ويصفه بأنه عادل في مكانة عمر بن الخطاب، وجوادا يتعدى سخاؤه أريحية حاتم، بينما الناس يعلمون أنه من أبخل البخلاء، وذكيا في مرتبة إياس بينما الناس يعلمون أنه أيلد من حمار الحكيم، إن الشاعر أو الكاتب اللذين يقودهما أدب المناسبات إلى اعتناق هذه الطريقة وإلى انتهاج هذا الأسلوب لا يمكن أن تنتحل لهما المعاذير بتعليل يقال فيه كما ورد في افتتاحية «الدعوة»: «إن المعدن الثمين لا يضيره أن قومت درره ونفائسه بغالي الأثمان». ولقد تنبه بعض الأدباء القدماء إلى هذه الظاهرة قبلنا منذ القرن الثالث الهجري. فإن أبا حيان التوحيدي يذكر على سبيل الاستطراد في بعض أسماره: (إن الأدب أصبح وسيلة وحيلة، وانقلب إلى ناموس لكسب الرزق، فأهملت قرائح المجدين المجيدين، وعني بالشعراء المحتالين، وتنكر الدهر لأهل الصدق من أهل الأدب وحذاقه، وأصبح التكسب بالأدب حلية لبعض الأدباء، وأعرض ذوو الجاه والسلطان عن الكاتب الذي يلتزم الصدق ولا يتعداه).

ولئن اعتبرنا أن أبا حيان كان يعتبر من الأدباء المتمردين، ومن الكتاب الذين يمكن أن نسميهم أحرارا بلغة العصر عرفنا أن التكسب بالشعر كان شيمة يتحاشاها الأدباء الذين يتجهون إلى إنتاج الأدب الأصيل الصادر عن شعور فياض، وإحساس دفين،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٧٣