تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 08

التشريع الإسلامي بين التشريعات الحديثة

للدكتور محمد يوسف موسى

منذ كانت الدنيا والثقافة والعلوم حظ مشاع بين البشر تأخذها كل أمة فيها استعداد ممن سبقها فتستفيد منها وتنقحها وتزيد عليها حسب مبلغها من العلم سواء في ذلك التشريعات والعلوم النظرية والعلمية وقد اتجه العرب في نهضتهم الحالية على نوع جديد من الدراسات المقارنة بين التشريعات ومختلف النظريات العلمية فكشف لهم الحال عن كثير من النواحي كان لهم فضل السبق إليها.

وهذا البحث القيم الذي نقدمه اليوم لقرائنا الأعزاء يكشف لنا عن ناحية هامة من التشريع الإسلامي وهو للدكتور محمد يوسف موسى وقد اخترناه من مجلة «الأزهر» التي يساهم فيها نخبة من حملة الأقلام تعميما لفائدته ليطلع طلبة الحقوق وغيرهم على فضل هذا التشريع الإسلامي الذي أصبح مفخرة بين التشريعات الحديثة.

دعوة الحق

تمهيد:

يعرف الباحثون عن تاريخ الأمم والشعوب أنه كان لكل مجتمع، مهما كانت درجته من الفكر والحضارة، حظه من قواعد قانونية يجري عليها في معاملاته وتصرفاته المالية، وفي الأحوال الشخصية التي تقوم عليها الأسرة عن الزواج وما يتصل به، وفي علاج جرائم المجتمع بوضع العقوبات الزاجرة الرادعة، وفي غير هذا كله من الشؤون ومسائل الحياة ومشاكلها.

نعم. إن هذه المعاملات التي تقوم بين الناس في أي مجتمع، وعلاقات بعضهم ببعض، لا يمكن أن تترك فوضى ينظمها كل فرد وفق رغبته ومشيئته، وإلا حقت قولة الفيلسوف الفرنسي (بوسويه): «حيث يملك الكل فعل ما يشاؤون، لا يملك أحد فعل ما يشاء، وحيث لا سيد، فالكل سيد وحيث الكل سيد، فالكل عبيد، وتلك حال لا يتصور أن تكون، وإن كانت فهي لا تدوم، إذ ينتهي الأمر إلى أن يكون الحكم للقوة تقضي في الضعفاء بما تشاء».

والمجتمع العربي، في شبه جزيرة العرب قبل الإسلام، لم يشذ طبعا عن هذا الأصل الذي يقوم عليه بقاء الشخص والنوع والاجتماع العمران. من أجل ذلك، نعرف التاريخ أن العرب عرفوا في جاهليتهم قواعد قانونية كثيرة قام عليها مجتمعه، وكان ذلك في نواح شتى من النواحي التي عالجها الإسلام فيما بعد، فألغى منها ما لا يتفق والعدل الصالح العام، وأبقى ما وجده خيرا، فما كان الإسلام ليغير كل ما كانت عليه الأمة العربية، حتى ما كان صالحا لبناء مجتمع صالح للحياة الطيبة.

على أنه مهما كان حظ العرب قبل الإسلام من القواعد والمبادئ القانونية في هذه الناحية أو تلك من نواحي الحياة العملية، فإننا لا نستطيع أن نزعم أنهم وصلوا من ذلك إلى ما يكفي لتقوم عليه أمة صالحة للحياة، ومن أجل هذا وغيره كانت الحاجة ماسة للإسلام وشريعته.

أجل، ظهر الإسلام والعرب -بل العالم كله- في أشد الحاجة إليه فآتاهم العقيدة الحقة، والشريعة الصحيحة، والنظم التي يقوم عليها المجتمع والأمة،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٥٥