حادث مهم أو غير مهم فيه بحادث مستقل برأسه وإنما هو حلقة من حلقات سلسلة حوادثه ولا يصدر إلا تحت مصلحة شاملة لا تغفل عنها عين الخالق عز وجل في تسييره لشؤون الكون غير المحدودة. فالذي يجب أن نتفكر فيه الآن هو: هل أن الإنسان الذي لا يحيط بالكون نظرا ولا ينظر منه إلا إلى جزء تافه لا يعدو في نسبته إلى الكل نسبة ذرة صغيرة إلى الشمس، والذي ليست أمامه السلسلة المتكاملة لحوادث الكون وإنما أمامه حلقة أو حلقتان من حلقاتها غير الآتية تحت العد والحصر، والذي لا ينظر حتى من هذا الجزء التافه وحلقة حوادثه الكثيرة المتنوعة، أن يكون قادرا على أن يقرر رأيا في حكمه وأسراره ومصالحه؟ وهل يجوز أن يكون رأيه صحيحا إذا أبى إلا أن يقرر فيه رأيه على عجزه؟.
دع عنك نظام الكون فإنه واسع كبير حيث تعجز أذهاننا حتى عن التأمل فيه، وخذ بالبحث -على نطاق محدود- نظام دولة من الدول الإنسانية في الأرض، تر أن من يناط به فيها منصب من مناصب المسؤولية -كالرئاسة والوزارة مثلا-، لا يكون إلا إنسانا مثلنا ولا يكون بينه وبيننا فرق كبير باعتبار الكفاءة والأهلية الفطرية، بل لا يكون من أعماله شيء لا تكون فينا القوة لإدراكه والقيام به، إلا أن مجرد الفرق القائم بيننا وبينه على أنه ينظر إلى إدارة الدولة وشؤون البلاد من كرسي منصبه ولأننا جالسون في ناحية من نواحي الدولة ولا علاقة لنا مباشرة بشؤون البلاد، إن مجرد هذا الفرق يجعل بيننا وبينه تفاوتا كبيرا لا نستطيع معه أن ندرك أعماله فعلا ولا أن نعرف، إذا نظرنا إلى حادث جزئي من الحوادث الواقعة في البلاد، ما هي غايته ومصلحته فتفكر أنه لما كان مثل هذا التفاوت الكبير يحصل بين الإنسان والإنسان لمجرد الفرق في منزلتهما، فماذا عسى أن يكون مدى التفاوت كبيرا بين الإنسان وبين الله خالق الكون ومدبر شؤونه على أن ليس الفرق بينهما فرق المنزلة بل هو فرق الحقيقة. أن الله له ملك السماوات والأرض وما بينهما ولا نعيش نحن إلا في ناحية صغيرة من نواحي ملكه العديدة، وغنه يحيط بالكون كله علما ونظرا ونعجز حتى عن معرفة ما في داخل أنفسنا من الحقائق الباطنة، وان له قوى لا يحدها شيء وما عندنا ولا قوة من تلك القوى. فهل إذا جئنا على هذا التفاوت ننتقد عليه أفعاله ونقرر رأيا في حكمها ومصالحها وصحتها أو خطئها، فقل لي بالله هل لا نكون أوغل في الجهل بألف ألف مرة من ذلك القروي الذي يجلس في كوخه وينتقد على الدولة البريطانية مثلا أفعالها ويقرر رأيه في صحتها أو خطئها؟.
وخذ على ذلك مثلا آخر لعله أكثر وضوحا من الأول:
هب أنك بستاني تعمل في بستانك. فلابد أن تكون محبا لهذا البستان، فإنك أنت الذي قد غرسته بيدك وبذلت كل جهدك ومهارتك في ترقيته وتزيينه وتنسيقه. ولابد كذلك أن تكون محبا لما فيه من الأشجار والشجيرات، ولا تألوا جهدا في حفظهما وتعهدها بالسقي، ولا ترضى أبدا أن تقطعها أو تقتلعها بدون سبب، وتتألم أشد الألم إذا جاء احد غيرك يقطع أغصانها أو يحفر جذورها. ثم إنك لتعلم بالطريق العلمي إن النباتات فيها الشعور بالراحة والفرح والألم والأذى وإن الأشجار إذا قطعت أغصانها وأوراقها وأثمارها تحزن وتتألم على انقطاع ومفارقة أولادها (أثمارها وأزهارها) ولكنك على الرغم من هذا العلم والحب منك لأشجار بستانك، تقطع أغصانها وتنزع أوراقها وتقطف أزهارها المتفتحة وغير المتفتحة وأثمارها الناضجة وغير الناضجة وطالما تهذبها بالتدابير وتقتلع ما يكون قد يبس منها. لماذا؟ رعاية منك لحاجتك تارة ولمصلحة البستان الشاملة تارة أخرى.
انظر بوجهة نظر الأشجار، تجد أن ليس كل ذلك منك إلا ظلم واعتداء. وهي لو كانت تنطق لقالت: ما أقسى قلب هذا البستاني وأعظم ظلمه واعتداءه بقطع أعضائنا ويسلبنا أولادنا اللطيفة الطرية وقد يقتلع منا ما لا يكاد يمر عليه ربع واحد من حياته ولا يرعي في