وفأسه ومنجله ليعتاض عن كل ذلك ببندقيته يسددها إلى الغاصبين ويقتنص بها الوحوش المتكالبة على بلاده، ويختم كلمته بقوله: وتلك هي الجزائر: أم صابرة، وفتى شجاع، وأمل يلوح من بعيد .. من بعيد.
ونشرف بعد ذلك «على المقهى» لنقرا فيه قصة رائعة للأديب الجزائري محمد ديب، ويضيف إليها دليلنا محمد برادة إشارة إلى ما تمتاز به قصص الأديب الجزائري من خاصة سماها «الالتزام» ولكنه جعل هذه الخاصة عامة في جميع أدباء الشباب من الجزائريين فهم يصدرون عن مأساة بلادهم فيما يكتبون. فما أشبههم في ذلك بأدباء الأتراك حينما ابتليت بلادهم بمحن وأهوال وامتدت إليها معاويل الصليبية تفتك بها وتطيح بكيانها.
ننتقل بعد ذلك إلى الشعر فنجده مفتتحا بقصيدة للأستاذ علال الفاسي، والمعتقد أن نظم هذه القصيدة الطويلة لم تطلب من صاحبه إلا بضع ساعات شأنه في ذلك شأن أبي العتاهية في غالب شعره وجلال الدين الرومي في مثنويه وليس بعد ذلك على القصيدة من مأخذ إلا ما ورد في أول البيتين الأخيرين من إضافتين كان المقام يستدعي صرفهما عنه، وهما:
ولا زال شعبي في الهداية سائرا ...
ونالت بلادي وحدة وهناءة ...
وبعد هذه قصيدة الشاعر صالح الجزائري، قصيدة خفيفة الظل إلى قصيدة ابن مطروح في الوزن والقافية.
أما علي الصقلي في قصيدته فقد خاطبنا حقا بلغة الشعر، ولا يؤخذ عليه استعماله البرد مرتين في قصيدة وفي صيغة الجمع:
... أبرداه موشية الأردن
... متقلبا في أبراد الإحسان
ولكنه البرد يلجئ الإنسان إلى ارتداء بردتين أو أبراد.
وتأتي قصيدة الأستاذ عبد الكريم ابن ثابت في قصيدة وتنظر كذلك على بيتي عياصي في «بحمر الشقيق إذا تصوب أو تصعد» وسألت الشاعر: وسمعت آهات البنفسج من غرام قد تنهد.
فقلت: لا وقال لي:
هذا لعمري بعض ما في روح عاهلنا الممجد
فقلت: ما فهمت ...
وتأتي قصيدة محمد الوكيلي، وأحسن ما فيها الذكرى، فإنها تنفع المؤمنين.
ويختم العدد بقصة جميلة لعبد الجبار السحيمي ونهنئ كاتبها بان فيه روح القاص وأسلوبه وما عليه إلا أن يستغل مواهبه، وإذا بهذا العنصر في أدبا قوي بعدما ضعف بتخلي قومه عنه.
وبقي علينا أن نلاحظ على المجلة بعض العبث الطباعي فيأتي على بعض الكلمات ومن عجيب الصدف أن كانت في هذا العدد ذات شأن هام مثل أدوات النفي والشرط فكيف تفهم الجمل وقد نكت أو فقدت روحها؟.
وقي ابتلي الكتاب بعبارات قفزت من العامية في الشرق إلى لغة الكتابة وهي «وبالتالي» و «هو الآخر» أو «هي الأخرى» ولا أصل لهذا التعبير في العربية فيكفي أن تقول «ثم» مثلا، وأن تقول «أيضا» أو «كذلك» من غير كلفة أو عناء.
أما و «لازال» في غير الدعاء والتكرار و «سوف لا» و «التحبيذ» فقد نص القوم -وكتبت فيما مضى- على اللحن فيها.
وفيما نقله السيد الشرقي نجده يستعمل تبعا للشرق أيضا كلمة «ورشه» ويعطف عليها المعمل أو المصنع وما درى أنه يعطف الشيء على نفسه وهو كثيرا ما يوجد في اللغات التي جاورت بعضها بعضا في حقبة من الزمن: يوجد في الاسبانية فيضاف الشيء أو يعطف على نفسه، ولا فرق إلا أنه دل عليه مرة بالعربية وأخرى بالاسبانية، وقد يتعقد الأمر فتتكرر الإضافات من فينيقية إلى عربية فاسبانية مثلا والمدلول واحد وكذلك الشأن في الفارسية أيضا وفي العربية التي استعملها المشرقي فعطف على «الورشة» المعمل أو المصنع والواقع أن الورش ما هي إلا كلمة انجليزية دخلت العربية في مصر واستعملها المصريون فأخذناها نحن عل أنها عربية هذه الكلمة مؤلفة من WORK+SHOP أي دكان الشغل فنقول إذا «مشغل» وكفى.