دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 21
التربية الدينية أساس فلاح الأمة العربية
للأستاذ: محمد الطنجي
إن المتتبع للتطور التاريخي للأمة العربية المجيدة يجد إنها كثيرا ما تكون نهضاتها وازدهارها نتيجة دعوة دينية على أيدي الرسل أولي العزم وأيدي أتباعهم المجددين لدعواتهم المتفانين في خدمة مثلهم العليا وفي القيام بأعباء الدعوة وإحياء شريعة الإيمان بكل نزاهة وإخلاص.
وقد تنبه المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون إلى هذه الظاهرة فعقد فصلا في مقدمته تكلم فيه على أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة وعلل ذلك بأنهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم.
واهم شيء في الدين بعد التوحيد هو الصلاة وهي عماد التربية الدينية أخرج البيهقي فيشعب الإيمان عن عمر قال جاء رجل فقال يا رسول الله أي شيء أحب عند الله في الإسلام قال «الصلاة لوقتها من ترك الصلاة فلا دين له والصلاة عماد الدين»، وروى مالك في الموطأ بسنده أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله «إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع».
وبالصلاة تتزكى النفوس وتتصل بالله في مناجاة وخشوع وخضوع فتسمو الروح وتتطهر من كل الشرور، ويتربى الإنسان بها على النظام وضبط الأوقات ومجانبة الكسل والخمول ويكون دائما طاهر الثياب والبدن والمكان فتعظم قيمته عند الناس وعند الله «وأقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان راكعا أو ساجدا» كما صرح في الحديث. وفي إقامة الصلاة جماعة في المساجد تتألف قلوب المؤمنين وتظهر المساواة بين العباد في التوجه إلى المعبود بحق سبحانه في مكان واحد وبإمام واحد ودعاء واحد حيث تتوحد مشاعر الأمة وأهدافها وغاياتها في الحياة بعبادة الله وتقواه وخشيته والسعي بكل إخلاص لإقامة شريعته وإعلاء كلمته، قال الله: «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون».
وجعل جزاء التوحيد والعبادة الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والأمن من الخوف كما جاء الوعد الإلهي الصادق لهذه الأمة المحمدية في قوله تعالى: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا». وقد تحقق هذا الوعد على أكمل صوره.
وهكذا عاش الرسول الأكرم محافظا على إمامة الصلاة في الجماعة في الأوقات لخمس منذ أن شرفه الله بالرسالة إلى أن فارق الدنيا، حتى أنه خرج ف يحال مرضه يتهادى بين رجلين ليقيم الصلاة فيهم. وأعظم من هذا أنه كان لا يترك الصلاة حتى في حالة مباشرة القتال وشرعت للقتال صلاة خاصة تسمى صلاة الخوف تتناوب فيها الجماعات على الإمام الواحد قال الله تعالى: «وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم».
فهذه هي التربية الدينية العلمية التي توحدت بها كلمة العرب وألف الله بها قلوبهم فصاروا على قلب رجل واحد فغلبوا الأمم بإيمانهم ودانت لهم