إلا رب يوم لو رمتني رميتها
ولكن عهدي بالنضال قديم
وأخيرا نقف على «نداء: للشاعر الشاب علي الصقلي .. إني قرأتها مرارا وأحس كل مرة بشبابه الفتي يتموج خلال أبياته .. وبروحه الخفيفة تهيم بالحسن وتتطاير حول الجمال كفراشة تحوم حول الأزهار ..
وخرجت بنتيجة وهي أن رباعيات الصقلي الثلاث توشك أن تكون وحدة متماسكة وصورة فنية مكتملة لعاشقين آوتهما ربوة في حضنها ذات مساء .. وهو يجثو بين يديها ممسكا بقلبه .. وهي ترنوا إليه باسمة مستبشرة:
على موعد مع ركب المساء
وفي حضن رابية شاعرية
وبين يدي حسنها القدسي
وأطياف ذاك الصبا الساحرة
جثا ممسكا قلبه عائدا
بها من جوى نفسه الفائرة
ورانت على ثغرها بسمة
تبشر بالرحمة الغابرة
وتقاربا، فألقت رأسها على صدره .. وذهب يشم أعطافها، ويتنسم أنفاسها، ويوسدها على كفه .. فتبدو له عروسا كالماسة وهاجة .. لم يملك نفسه أن استجاب لنداء الشفتين:
وألقت على صدره رأسها
وقد رشح العطر من رأسها
فأثمله نشر أعطافها
وألهبه حر أنفاسها
ووسدها كفه فبدت
عروسا تألق في ماسها
وهاج لظاه نداء الشفاه
يلح فهب إلى كأسها
وبينما هما كذلك .. يعيان من كأس الحياة، وينهلان من خمر مشعشعة، وهي تطوي جيده موثقا بيدها .. إذا بالوجود حولهما يغفي على قبلة طوت في لحاف الهوى عاشقين:
وبينا هوى بفم ظامئ
يعب الحياة من الشفتين
وينهل خمرا مشعشعة
يعاقر في وردها كوثرين
طوت جيده بيدها، ترى
تهيم به موثقا بيدين
وأغفى الوجود على قبلة
طوت في لحاف الهوى عاشقين
هذه هي رباعيات الصقلي بكاملها لم أستطع أن أسقط منها شيئا كما فعلت في اللواتي قبله، لأن كل بيت يمسك بالذي يليه لا يقبل معه الفكاك ... وهذه هي الوحدة الفنية العزيزة المنال والقليلة الوجود عند شعرائنا في القديم والحديث، حتى أن كثرة النقاد كانوا يقيمون لها وزنا، بل إن بعضهم يرى الانفكاك وعدم التساوق أولى وأحلى .. ولكن الواقع أن التآخي والتلاحم في أجزاء القصيدة يجعل بين أبياتها نسبا وصلة روحية معنوية أقوى من صلاب الضمائر وصلات الموصلات، نرى ذلك يتجلى في شعر ابن الرومي وشعر أبي نواس من الأقدمين .. كما يتجلى اليوم بكثرة عند شعراء العصر ولا سيما عمر أبو ريشة وإيليا أبو ماضي ..
فدلت هذه القطعة، أو السونيت» التي وفق فيها الشاعر الصقلي على أن في أغواره شاعرية كامنة تحتاج إلى إفساح المجال لها وعدى مضايقتها بالنقد المدرسي التعليمي .. لذلك تمر على ما فيها من الهنات مر الكرام ..