دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 .................. ص 85
قصص: امرأة العزيز
بقلم: عبد الجبار السميحي
لم يكن أبي قد مات بعد، عندما خمنت انه لن يلبث طويلا بيننا، وأن من واجبي أن أبحث عن عمل ما ..
كنت يوم ذاك في العشرين من عمري، وكان أبي جسما منهكا ممددا على الفراش، يقلب عينيه فينا كل مساء، ثم يشد على يدي وهو يتمتم:
- كنت أريد لك حياة أحسن من حياتي أنا ... ثم مات أبي، كان يقلب عينيه فينا ذات مساء، عندما ارتخى جسمه مرة واحدة ... وأعلنت صيحات أمي أنه ... مات.
وعندما هربت إلى الشارع، كان كل شيء ما يزال كما هو ... الناس والأضواء والسيارات والضحكات العالية ... فإن أبي لم يكن في حسابهم أبدا.!
بعد أيام قليلة وصلتني رسالة، كانت تقول أنه لا يوجد عمل ما ...
وبعد أيام قليلة أخرى، استطاع جسمي الفتي، وعشرون سنة تبرق في عيني الكئيبتين، إغراء صاحب معمل كبير للحديد وإصلاح السيارات أن يجعلني حارسا عنده.
حدث ذلك منذ أربعة أعوام ...
لقد أصبحت اليوم إنسانا جديدا، ولكن حياتي لم تكن خيرا من حياة أبي، من حيث المعنى المادي للحياة .. كما كان يقصد ذلك المساء.
أصبحت فيلسوفا ...
إن أربعة أعوام من الصمت، في وحدة كئيبة بالبيت المظلم داخل مخزن السيارات، جعلت مني فيلسوفا .. لم يستطع قط أن يجعل ابنة صاحب المخزن تشعر انه إنسان .. مجرد إنسان. فقد كانت قدرا، وكانت ثيابي مليئة بالرتق.
كان جسمها، الصغير يفتنني، وكانت تمقتني إلى حد الموت، فلقد عرفت كل أسرارها، ورأيت من خلال جلستي الصامتة بباب «المخزن» طوال يوم الأحد، حيث كانت توجد قبالتي دراهم، رأيت رهط أصدقائها الحقيرين الذين يحاولون أن يتشبهوا بممثلي هوليود، لقد كانوا ينتظرونها عند منعطف الشارع.
آه، إنني لم أكن أستطيع أن أحول عيني النهمتين عن جسمها المتأرجح على الحذاء العالي، كانت نظرات جريئة أحيانا، أحس معها أنني إنسان .. مجرد إنسان، لست فيلسوفا، ولست أشتكي الكآبة.
وجاءتني ذات يوم ...
لقد تعودت أن تدخل المخزن دائما، لتتفرج على أنواع السيارات، وكانت تسمح لنفسها بعض أيام الآحاد أن تجلس وراء مقود السيارات الصغيرة الرياضية.
ولكنها ذك اليوم، كانت تقصدني أنا، فقد وجدتها تقف أمامي، ثم فتحت فمها ف يغضب قائلة:
- لا تكن حقيرا إلى هذا الحد، إن عليك أن تحترم بنات العائلات، وتحد من نظراتك الفاجرة .. خصوصا وأنت قذر .. قذر!