تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أستاذنا مالك أن هذه الميزة ليست خاصة بالفكر العربي وإنما هي ميزة عامة للذهن الإنساني قبل بلوغه درجة معينة من النمو والنضج الفكريين أو بعد تخطيه لهزة المرحلة أي أن الذرية في التفكير نقع في المرحلتين المتطرفين للفكر الإنساني، بيد أن الفكر الاستنتاجي الشمولي يقع في الوسطى، وذلك تابع لتطورات الفكر المتصل بمدنيته. فتلك الميزة كانت -بالنسبة للعرب- في الجاهلية كما كانت بعد انحطاط العالم الإسلامي. ولوحظت تلك الميزة -أي الذرية- بالنسبة لأوربا قبل نهضتها، وقد ابتدأت بوادرها تظهر بعد برغسون وكان التفكير الديكارتي وسطا بين الطرفين اللذين يمثلان التفكير الذري؛ فالتفكير الذري تابع لتطور الحضارة ويأتي دائما غصب أفولها ويختفي عند شروقها ليترك مكانه للتفكير الاستنتاجي الشمولي ويناقش الأستاذ مالك أيضا المستشرق جب فيما زعمه من تأثير النزعة الإنسانية الأوربية في الحركة الحديثة الإسلامية، فيرى أن أوروبا لم تحمل إلى عالمنا الإسلامي ما يسميه «جب» بالنزعة الإنسانية؟ إننا أيضا مع احترامنا لشخصية جب نستغرب من هذا القول ف يجانب الاستعمار الأوربي الذي قاسينا من ويلاته -وما زلنا نقاسي- أشد ما قاسته الإنسانية عبر تاريخها.

ولا ينكر أستاذنا مالك على أوربا نوعا من التأثير في «بعض العصريين» من رجال العالم الإسلامي تلك هي نزعة إنسانية مجمعية دبلوماسية «أن ألفاظ هذه النزعة رائعة، وان بعض الأقوال الذائعة والجمل الساحرة قد أغنت متاع بعض المسلمين المحدثين اللغوي!!» (ص) (6) وغير جاف مقصد الأستاذ من هذا الكلام.

ويتحدث في الدورة التاريخية عن الزوايا التي ينظر فيها إلى حوادث التاريخ، فهناك زاوية نفسية فردية أي أن التاريخ كان نتيجة عوامل فردية، وهناك زاوية اجتماعية أي أن حوادث التاريخ كانت نتيجة عوامل اجتماعية وهناك زاوية غيبية أو سلسلة من الظواهر غيبية، ليست من الفرد ولا من المجتمع لا تدخل في نطاق قدرتها، ومن الزاويتين الأخيرتين سيدرس الأستاذ تطور العالم الإسلامي ومن بين هذا التطور وسير التاريخ الإنساني العام من علاقات فعلية وممكنة وقد تقدم له أن درس المشكلة الإسلامية في الزاوية الفردية النفسية في كتابه شروط النهضة ومشكلات الحضارة.

وللمدينة دورة تاريخية «وتلك الأيام نداولها بين الناس» وتتحدد كل دورة بالشروط النفسية والزمنية التي تمتاز بها فئة اجتماعية ما ... ولهذا تتخذ المدينة طابعا معينا وكما تمتاز بتطورها الداخلي الذاتي الذي يبدأ بالروح فالعقل فالغريزة وتمتاز بدورتها وتنقلاتها اللانهائية من منطقة للأخرى، ولكن المدينة أين كانت وأي صبغة اكتست، فعناصرها لا تعدو ثلاثة: الإنسان، والتراب، والوقت. والمركب لهذه العناصر والرابط بينها هو «الدين» لا غير، وبفكرة الدورة هذه يخالف أستاذنا كارل ماركس الذي يرى أن للتطور التاريخي والاجتماعي يبدأ بالحيوانية البدائية وينتهي بعهد الرخاء والوعي والحرية. ونستطيع أن نحتفظ بطراوة المدينة وعنفوانها لو أننا استطعنا الإلمام بشروط الانحطاط وعوامل الانحلال كي نتجنبها، ونسير في حياتنا على وعي وبصيرة.

ويضرب الأستاذ مالك المثل بالدورة الأساسية الخالدة للمدينة الإسلامية التي ابتدأت في لحظة نزول قوله تعالى أقرأ باسم ربك ... فكانت هذه الحقبة التي بين نزول هذه الآية وبين صفين تمثل مرحلة الروح أي أن القيادة، كانت للروح أما الغريزة والعقل فمع وجودهما فقد كانا خاضعين لتوجيهات الروح، وكانت الفترة الممتدة من صفين لعهد ابن خلدون تمثل مرحلة العقل، ومن هناك إلى اليوم تمثل مرحة الغريزة التي أسلمتنا إلى الانحطاط وأوجدت في نفس الوقت فينا القابلية للاستعمار، ويبدو أن الغريزة ما زالت تستولي على مقاليد أمورنا. إلا أن التفاؤل الحق بابتداء دورة مدنيتنا ما زال بعيدا على الرغم من بعض الإرهاصات التي خاب أكثرها.

ويرى الأستاذ أن لأوربا قد ابتدأت تدخل في مرحلة الغريزة رغم هذه الصحوة العلمية الجبارة التي انفصلت عن الضمير. ومحاولة تقليدنا لأوربا في هذه المرحلة التطورية من حياتها محاولة تدل على جهل بأسس المدينة وحقيقتها وبواعثها، فالمدينة ليست بضاعة تشتري ولا أشياء تنقل أو صورا تحاكى. إنما هي معاني نفسية روحية تنبثق من الذات، من الروح، من الفطرة، وإذا كانت الرجعية من العوامل التي تعوق كل تقدم، وإذا كانت الرجعية من العوامل التي تعوق كل تقدم، وتفسد حوافز النهضة فمحاولة تقليدنا الأعمى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٥٥