دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 16
كيف تكون شخصية إسلامية مستقلة
للأستاذ التهامي الوزاني
كان فريق من الطلبة يتحدثون عن دروسهم وعن أساتذتهم وانساق الحديث إلى مادة الفلسفة وكان أستاذها يسوعيا فاندفع صدر المجلس يقول:
إنكم تدرسون الفلسفة التحررية وإنما تدرسون فلسفة خلقت لتأييد فكرة خاصة ولو كانت الفكرة الخاصة هي الإسلام لما كان في المر من باس، وصح القول بان الدرس درس دين مقنع بقناع الفلسفة وبما أن دين الطلبة هو دين الإسلام فلن يضيرهم أن يدرسوه في أي شكل كان لكن القصد من دروس الفلسفة بالأقسام الثانوية هو الإلمام بمبادئ الفلسفة التحررية وطريقتها في الهدم والبناء: فلكي لا يتأثر الطلبة بمبادئ بعينها يلزم أن تراقب مادة الفلسفة مراقبة دقيقة كمراقة اللغات والرياضيات. وكان الذين سبقونا بقرن من الزمان يحمون طلبتهم من تزلزل العقائد بالحيلولة بينهم وبين النظر ف يكتب الفلسفة من أصلها سالكين مسلك من خاف على ولده أن ينزلق في السوق فمنعه من المشي أصلا ونسي انه لم يمش فإنه سيبقى لا فرق بينه وبين الكسيح وأن من تكسرت رجله لا يخاف عليه في أكثر من انه سيصبح غير قادر على المشي: ويمشي في السواق الآلاف من الخلق ولا تنكسر رجل أكثرهم وإن كان الكسر يصيب في بعض الأحيان؛ أما الطريق العمي لحماية الناشئين أبناء المسلمين من خطر الأفكار المناقضة للإسلام فهي أن يدرسوا فلسفة تحررية لا ترمي إلى خدمة فكرة بعينها ثم تعرض عليه نماذج من أراء الفلاسفة ومذاهب الأساطين منهم في التوحد والعقل والحياة والمادة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك من ضروب أعمال الفكر والنظر. وإذا استسلم الطالب لمدرسة بعينها وانكب على قراءة كتبها فإنه متأثر بها لا محالة. أما إذا شرب من عدة ينابيع وسمع اليوم نقيض ما سمعه بالأمس وسوف يسمع غدا ما يهدم مسموعه في الزمنين السابقين فبينما كان الأمس يقرأ توجيه فكرة من الأفكار إذا به اليوم يطلع على عيوبها ونقائضها فينقلب عن رأيه بالأمس إلى رأيه ثم يرفض الرأيين وبميل لغيرهما وكلما تكرر على سمعه النقض والإبرام تضعف فيه غزيرة التقليد ويصير إذا اخذ يقرأ فكرة مع توجيهاتها ينظر إلى ذلك في احتراس لأنه تعلم أن سائر المذاهب لها عيوبها ولها محاسنها وكلما اشتد احتراسه حين المطالعة أو وقت الدرس تضعف فيه غريزة التقليد وتتقو على حسابها سجينة التحرر إلى أن تتكون فيه الشخصية ويستطيع أن يفصل بين سمعه وقلبه فلن يتسرب إلى القلب كل شيء دخل الأذن وغنما عليه أن يسمع كل شيء ويكون سلوكه سلوك الصناعيين حين يجمعون المواد الخام فينقلونها بترابها والعناصر الغير الصالحة فيها ثم يعرضونها على الصهر والتصفية ويدخلونها الواثق لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
أما فلسفة يكون أستاذها راهبا أو داعية شيوعيا أو مروج فكرة الرأسمالية فإنها مجرد مروجات للفكرة التي كرس حياته لخدمتها ولن يعدوا أن يكون مبشرا في زي عالم ولن نرضى مدارسنا أن تفسد طلبتنا فتجعلهم عبيدا في أفكارهم إمعات في تصرفاتهم يتحمسون للنصرانية وهم يحسبون أنهم يدافعون عن حرية العقل والتفكير. ونريد لهم أن يدرسوا جميع النظريات الرئيسية بما فيها من تناقض وتعارض وتدافع وتنافر فإذا فهموا أن المسألة مسألة كلام وتوجيه وان العقل أكبر من ذلك وقدروا أن يتحرروا من التلقين المدسوس. قلنا آنذاك أن لنا ناشئة تتوجه اتجاها تحرريا ولن نخشى عليها شيئا لأنها لن تكون بالتي لقنت العداء للإسلام والعروبة والمغربية وهو في مأمن من أضاليل المبشرين المقنعين. ولا يقف الأمر هنا في العمل على خلق الشخصية المغربية مفقودة وإن المغربي سار به التاريخ في حرمانه من الحريات وسوقه إلى أقبح وجوه الاستعباد وهو التقليد الأعمى. ولسنا ندري ماذا سيكون موضع هذه الكلمة من شبابنا ومن كهولنا على السواء ومهما يكن من أمر فإننا لا نملك شخصيتنا لأن الجو الذي يحيط بنا من الجهات ألست كما يقولون- جو كله استعباد واسترقاق وقد يظهر أن توحيدنا في مذهب واحد ورأي واحد أمر حسن