دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ................. ص 7
روح القانون وحرفيته
بحث في قول الرسول صلى الله عليه وسلم
البنية على المدعي، واليمين على من أنك
للأستاذ محمد الطنجي
إن القوانين الوضعية مثل الشرائع السماوية المتعلقة بالأحكام كلاهما يقصد به إقامة العدالة بين الناس، وإيصال الحق لصاحبه وإنما تمتاز الشرائع السماوية بقداستها وتنزهها عن الأغراض والشهوات الشخصية، واعتبار ما وقع عليه النص حكما من الله، ويلتمس، ويتخذ لهذه الغاية النبيلة التي هي إيصال الحقوق لأصحابها الوسائل التي يتوصل بها إليها ومن جملتها ما يسمى في لسان الشرع الإسلامي بالبيئة، فحديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) شاع بين الناس، وفي جميع الأوساط الإسلامية حتى تداولته السنة العوام، وقد أخرجه البيهقي بهذا اللفظ. وقال الحافظ ابن حجر أن إسناده صحيح، وأقره صاحب نيل الأوتار كما وردت أحاديث أخرى بمعناه، إلا أن بعض الناس، وبعض القضاة يفهمون أن البيئة هي (الشهود) الذين أعم من الشهود المعروفين وأن القضاة إذا اقتصروا على الحكم بواسطة الشهود فقط أضاعوا حقا كثيرا، وقد سئل الحافظ أين القيم الجوزية عن الحاكم أو الوالي يحكم بالفراسة، والقرائن التي يظهر له فيها الحق والاستدلال بالإمارات، ولا يقف مع مجرد البينات والأحوال، فأجاب بأن هذه مسألة كبيرة عظيمة النفع جليلة القدر، أن أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقا كثيرا وأقام باطلا كبيرا، وإن توسع وجعل معوله عليها دون الأوضاع الشرعية وقع في أنواع من الظلم والفساد، وقال في موضع آخر أن الشريعة لا ترد حقا، ولا تكذب دليلا ولا تبطل إمارة صحيحة، وقد أمر الله سبحانه بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده جملة فإن الكافر الفاسق قد تقوم على قوله شواهد الصدق فيجب قبوله والعمل به، وقد استأجر النبي (ص) في سفر الهجرة دليلا مشركا على دين قومه لأنه خبير بالطريق يدل عليها فأمنه، ودفع إليه راحلته، لا يجوز لحاكم ولا وال رد الحق بعد ما تبين وظهرت إمارته بقول أحد من الناس، والمقصود أن البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره .. هذا قول ابن القيم وقد ختم بحثه هذا بنصه: (فقوله (ص) البينة على المدعى أي عليه أن يبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حكم له به، وبهذا التوجيه الرشيد نفهم جيدا أن المحافظة على روح القوانين والشرائع فوق اعتبا حرفيتها وشكليتها وقد وقعت أغلاط لجماعة من القضاة والمفتين، وقفوا مع حرفية القوانين حيث اعتبروا أن الشارع إنما كلفهم بذلك، فينبغي التنبيه على بعضها حتى لا يغتر الناس، ولا نفر القضاة من المالكية بذلك، وحتى يعلم المثقفون في معاهد القوانين غير الإسلامية أن الإسلام يهدف إلى روح العدالة فوق شكليتها، وإن كان لا يهمل حرفية القوانين فمن ذلك أن شيخ الجماعة ببجاية السيد حسن بن علي المسيلي الذي كان يسمى أبا حامد الصغير مرض في زمن ولايته للقضاء فاستناب حفيده على الأحكام، وكان له نبل، فتحاكمت عنده يوما امرأتان ادعت إحداهما على الأخرى إنها أعارتها حليا، وإنها لم تعده إليها، وأنكرت الأخرى فشدد على المنكرة. وأوهمها، حتى اعترفت، وأعادت الحلي وكان من سيرة هذا الحفيد أنه إذا انفصل عن مجلس الحكم