الوسائل وما أوتيت من القوى، وذلك ليظهر ما يحب الله أن تزين به حياة عباده في أرضه وتصطبغ بصبغته من النزاهة والجمال والخير والرشد والفلاح والسعادة ويقض.
. يعرض علينا الإسلام صورة واضحة للشر والخير، حتى يمكننا أن نرى في مرآتها هذه المصالح الرضية وهذه الفواحش المنكرة المبغضة. فالمملكة الإسلامية إذن تستطيع في كل عصر وفي كل بيئة أن تضع برنامجها الإصلاحي إذا وضعت أمام عينها هذه الصورة الواضحة للشر والخير.
والذي يقتضيه الإسلام اقتضاء ويطالب أبناءه بالاستمساك به أن لا يحيدوا عن المبادئ الخلقية في شأن من الشؤون. فهكذا يعين لمملكته خطتها الوثيقة الدائمة أن لا تكون سياستها مبنية إلا على الصدق المحض والعدالة الناصعة والأمانة النقية الطاهرة. وهو لا يرضى ف يحين من الأحيان أن تركن مملكته إلى شيء من الغدر والغش والاعتداء تحقيقا لمصالحها الوطنية أو الإدارية أو القومية. وهو يؤثر الحق والأمانة والعدل على المآرب والأهواء والأغراض في كل ما يعرض له من الأواصر والصلات بين الراعي والرعية في داخل البلاد وبين أمة وأخرى في خارجها. فيعهد إلى المملكة الإسلامية والذين يقومون بأمرها -كما يعهد إلى الفرد المسلم- أن أوفوا بعهودهم إذا عاهدتم وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم. ولا تفعلوا إلا ما تقولوا إلا ما تفعلون. ولا تنسوا ما لغيركم من الحقوق عليكم، كما لا تنسون ما عليهم من الوجبات لكم. ولا تجعلوا الصولة والمنعة وسيلة للظلم والشطط والاعتداء واجعلوها وسيلة لإقامة الحق والعدل. واعلموا أن الحق حق في كل حال، فسارعوا إلى أدائه، وان السلطان وديعة من الله، فلا تستعملوه إلا وأنتم مستيقنون أنكم محاسبون عليه بين يدي ربكم حسابا كاملا-،،.
ثم إن المملكة الإسلامية، وإن قامت في ناحية خاصة من نواحي الأرض وفي قطر من أقطارها، لا تحدد الحقوق البشرية ولا الحقوق المنية بالحدود الجغرافية. أما البشرية ولا الحقوق المدنية بالحدود الجغرافية. أما البشرية مثلا، فيضع لها الإسلام عدة من الحقوق السياسية ويأمر بمراعاتها والمحافظة عليها في كل حال ويوجبها لكل إنسان على وجه الأرض، سواء أكان هذا الإنسان ممن يسكن داخل المملكة الإسلامية أو خارجها، عدوا كان أو صديقا، مترددا كان لها أو معاندا لها بالحرب. والذي يهمه في هذا المقام إنما هي حرمة الدم البشري، فإنه محرم ف يكل حين ولا يجوز سفكه إلا بالحق ولا يحل في شريعته الاعتداء على النساء والأطفال والعجزة والمرضى والجرحى في أي حال. وحرمات النساء وأعراضهن مما يجب اللب عنه والاحتفاظ به، لا يجوز انتهاكها والاعتداء عليها أبدا. وكذلك من حق الجائع أن يطعم ومن حق العري أن يكسى ومن حق الجريح أن يداوى ومن حق المريض أن يواسى، وإن كان هذا الجائع والعري والجريح والمريض من قوم عدو للمملكة متربصين بها الدوائر. فهذه وأمثالها من الحقوق الأخرى إنما قد انعم بها الإسلام على الإنسان من حيث أنه إنسان، ولها منزلة الحقوق الأساسية في دستور المملكة الإسلامية.
أما الحقوق المدنية فلا يخص بها الإسلام من ولدوا ف يداخل المملكة الإسلامية فحسب، بل الحقيقة أن كل مسلم، أيا كان مولده ومنبته يخوله الإسلام التمتع بالحقوق المدنية بمجرد دخوله في حدود المملكة الإسلامية، ولا يكون حظه منها دون حظوظ الذين ولودوا في تلك المملكة وكانوا أهلها كابرا عن كابر. ومهما تعددت الممالك الإسلامية في مختلف أرجاء الأرض وكثر عددها، فلابد لها جمعاء أن يكون أهلها مشتركين في الحقوق المدنية. والمسلم لا يحتاج أبدا إلى جواز السفر حينما أراد الدخول في مملكة من هذه الممالك، بل يمكنه فيها أن يترقى إلى ما استطاع ويتأهل لمناصب المسؤولية العليا من غير أن يكترث لشيء من نسبه وعشيرته وطبقته التي ينتمي إليها.
والذين يقطنون المملكة الإسلامية من غير المسلمين قد عين الإسلام لهم حقوقا عديدة، وهي بطبيعة الحال جزء لازم من أجزاء الدستور الإسلامي ولا تنفك عنه أبدا. فيقال لأمثال هؤلاء من غير المسلمين في المصطلح الإسلامي «أهل الذمة» وهم الذين ضمن لهم الإسلام المحافظة على أنفسهم. فلا ريب أن نفوس أهل الذمة وأموالهم وأعراضهم محرمة، كما تحرم نفوس المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولا فرق بين المسلمين وأهل الذمة في شيء من القوانين الجنائية والمدنية. ولا يحل للملكة الإسلامية أن تتدخل في شيء من القوانين الشخصية لأهل الذمة ولهم حرية في عقائدهم وأفكارهم وعبادتهم وشعائرهم الدينية.