دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 .................... ص 65
الصفحة السياسية
الكوكب الروسي:
شهد شهر أكتوبر انقلابا فاصلا جديدا في تاريخ البشرية، وهذا الانقلاب يتمثل في الكوكب الصناعي الذي أطلقته روسيا في الفضاء ليركض حول الأرض في سرعة مذهلة، وبه أجهزة تنقل إلى الأرض للمرة الأولى في التاريخ معلومات لا عهد للإنسان بها.
وقد بلغ من خطورة هذا الحادث أن الرئيس نهرو اقترح أن تسمى سائر العصور التي سبقته بالعصر الحجري ...
ولا يهمنا الكوكب الصناعي في هذا الباب من ناحيته العلمية، وإنما تهمنا نتائجه السياسية:
1) كان له أثر كبير جدا في رفع هيبة روسيا، خصوصا من ناحية الأسلوب الذي أطلق به، فلم يسبق بدعاية، وإنما أطلق كأنه شيء عادي لا يدعو إلى جلبة ولا إلى ادعاء.
2) أعطى صبغة خالصة، فهو كوكب في ظاهره قد أطلق لتحقيق دراسات علمية صرفة لا علاقة لها بالاعتداء فأظهر روسيا في صورة الدولة التي تفكر في العلم أكثر مما تفكر في العدوان، أو في صورة من لم يكرس جهوده للتفكير في الشؤون السياسية وحدها.
3) كان له أثر بعيد المدى في الولايات المتحدة، فقد نشطت المعارضة تتهم الرئيس إيزنهاور بالتخاذل، لأنه أنقص في الميزانية القدر المخصص للأبحاث العلمية، وسوف يستغل هذا الحادث لتغليب جانب الديمقراطيين على جانب الجمهوريين في الانتخابات القادمة.
4) قد يكون له أثر في استتباب الاستقرار الدولي، لأن من شأنه أن يبعث الولايات المتحدة على عدم الاطمئنان إلى تفوقها العسكري، وبذلك يزداد شبح الحرب خطورة في نظر الجانبين.
ليتل روك:
وبينما كان الكوكب الروسي يركض في الفضاء، وقع في مدينة ليتل روك الهادئة بولاية أركنساس في جنوب الولايات المتحدة، حادث مروع أعاد إلى الأذهان تاريخا ظن أنه انقرض، وكان سببا في اندلاع الحرب الأهلية بالبلاد في القرن التاسع عشر.
وذلك أن سكان هذه المدينة البيض، صمموا على أن يحولوا دون تطبيق قوانين المساواة بينهم وبين سكانها السود، وتبلغ نسبتهم 23 في المائة، وعبروا عن هذه المشيئة باضطهاد الطلبة السود في إحدى المدارس وطردهم منها.
وقد وقف الرئيس ايزنهاور من هذا الحادث موقفا شريفا، فأنذر حاكم أركنساس - الذي كان يتزعم هذه الحركة الاضطهادية، ولكنه مضى فيها دون أن يلوي على شيء، فطبق الرئيس قانونا لم يطبق منذ سنوات عدة خلت، وهو يقضي بإرسال فرقة المظلات التابعة لجيش الاتحاد إلى الولاية، ومن المعروف أن الحرس الوطني التابع للولاية هو المسؤول عن الأمن، وأن جيش الاتحاد لا يتدخل إلا في حالة الخطر الجماعي.
وتدخل الجيش، وأعاد الطلبة السود إلى المدرسة بالقوة، وأصيب بعض البيض حينما حاولوا الحيلولة دون ذلك، فثارت ثائرة خمس ولايات أخرى في الجنوب ولكن موقف ايزنهاور الحاسم أظهر لحكام تلك الولايات، أنه مصمم على استعمال قوات الاتحاد المسلحة لتنفيذ قوانين المساواة، وهي الخطوة التي لم يكن أحد منهم يتصور أنه يجرؤ على الالتجاء إليها.
وليس هذا فحسب فقد حصل حادث آخر في نيويورك، حينما رفض مطعم بالمدينة السماح لعضو من أعضاء وفد غانا إلى الأمم المتحدة بتناول وجبة الغداء، وقد تأثر ايزنهاور مرة أخرى لهذا الحادث، فدعا العضو إلى تناول الغداء على مائدته الخاصة، وكان من الممكن أن يتطور الموقف إلى طلب نقل الأمم المتحدة من أمريكا، لأن الأمريكيين لا يحسنون استقبال أعضائها ولا يعاملونهم معاملة كريمة.
ويتوقع المراقبون أن يكون لحادث ليتل روك أثره الملموس في السياسة الأمريكية، ويلخصون هذا الأثر في: