تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المنكوبين. وكذلك ما أنزلت الختال والأشر والمرائي والمنافق واللجوج والشره منزلة الإجلال والاحترام، كما أنزلت عفيف المئزر فكه القول لين العريكة الناصح الأمين.

وجملة القول أن الإنسانية ما اعتبرت قوامها وما عدت خير أهل الأرض وأكرمهم إلا الصادقين في أقوالهم الذين يوثق بهم ويعتمد عليهم في كل شأن، والذين ظاهرهم وباطنهم سواء وأعمالهم تطابق أقوالهم، والذين يقنعون بحظوظهم وحقوقهم ويتسابقون إلى أداء ما عليهم من الحقوق والواجبات لغيرهم، والذين يعيشون عيشة المن والدعة ويأمن غيرهم شرهم ولا يرجى منهم إلا الرشد والخير.

فتبين من ذلك أن القواعد الخلقية هي حقائق ثابتة عالمية مازال جميع أبناء البشر على معرفة بها. فليس الخير والشر مما يخفى على أحد حتى يكون بالحاجة إلى البحث عنه إذا أراد معرفته والوقوف عليه، بل أنهما مما عهده ابن آدم منذ أول أمره؛ وقد وهب الله له الشعور بهما وأودعه جبلته التي فطره عليها. ومن ثم ترى أن القرآن يسمي الخير «بالمعروف» والشر «بالمنكر» ومراده بذلك أن المعروف ما عرفه الناس ورغبوا فيه واستأنسوا به، وأن المنكر ما نكره الناس واشمأزوا منه واستنكروا عنه. وفي هذا المعنى نفسه ورد في التنزيل: «ألهمها فجورها وتقواها» أي النفس الإنسانية.

وربما يساءل القارئ في هذا المقام فيقول: إذا لم تزل محاسن الأخلاق ومساوئها معروفة معهودة في العالم ولم يزل أهل هذه المعمورة منذ عمروها على رأي واحد في حسن بعض الصفات وقبح بعضها، فلم هذه النظم الخلقية المختلفة المنبثة في العالم؟ وأي شيء سبب الفرق بينهما وميز بعضهما من بعض؟ وما الذي نستند إليه في قولنا أن الإسلام له نظام خلقي خاص؟ ثم ما هي المزايا والخصائص التي يمتاز بها نظام الإسلام الخلقي من بين النظم الأخرى والتي كانت، ولا تزال غرة في تاريخ المناهج الخلقية ودرة في تاجها؟

فإذا تعرضنا للنظم الخلقية المختلفة في العالم لإدراك هذه المسألة، يتراءى لنا في أول وهلة أنها تفترق في ما بينها في إدماج مختلف الصفات الخلقية في نظامها الشامل وتعيين حدودها ومكانتها ومواضع استعمالها والتوفيق بينهما. ثم إذا دققنا النظر فيها وسبرنا غورها تبين لنا سبب هذا الفرق، وهو أن هذه النظم تختلف في تحديد معيار للحسن والقبح في الأخلاق ووسيلة للعلم يعرف بها الخير من الشر، كما لا تتفق في تقرير القوة المنفذة ( Sanction) التي تعمل عملها وراء القانون وتجعله نافذا في الناس وتعيين الوازع الذي يحمل المرء على إتباع القانون والمواظبة عليه، ثم إذا بحثنا عن أسباب هذا الاختلاف وأعملنا فيها الفكر والروية، ظهرت لنا الحقيقة واضحة، وهي أن الذي بدد طرق هذه النظم الخلقية جمعاء وأبعد بعضها عن بعض، أنها تختلف في التصور لهذا الكون ومنزلتها في نظامه الواسع وغاية الحياة الإنسانية فيه. وهذا الاختلاف هو الذي أثر فيها أثره وتولد عنه الاختلاف الأساسي حتى في حقيقتها وطباعها وأوضاعها.

إن المسائل التي تقوم عليها أساس الحياة البشرية وتعيين اتجاههما في هذه الدنيا. هي أنه: هل هناك إله لهذا الكون أم لا؟ فإذا كان، فهل هو إله واحد أم معه آلهة أخرى؟ ومن هو الإله الذي نؤمن به من بينهما؟ وما هي صفاته التي يتصف بها؟ وما هي العلاقة بيننا وبينه؟ وهل تفضل بإرشادنا ودبر أمر هدايتنا أم لا؟ وهل نحن مسؤولون بين يديه؟ فإن كنا كذلك، فما الذي نحاسب عليه؟ ثم ما هي غاية حياتنا ومآل أمرها الذي نجعله نصب أعييننا ونعمل وفق مقتضياته في هذه الحياة الدنيا؟

فهذه مسائل أساسية خطيرة يتوقف على جوابها نشأة نظام الحياة الإنسانية. فلا ينشأ إذن نظام الأخلاق إلا ما يناسب حقيقة هذا الجواب.

ويتعذر علي في هذه المحاضرة الضيقة النطاق أن أفضل القول في نظم الحياة المختلفة في العالم، فأخبركم بما اختاره كل واحد منها جوابا عن هذه المسائل الأساسية، ثم ماذا أحدث هذا الجواب من الأثر والسمة في أشكالها وتعيين الطرق لسيرها. بيد أني أقتصر على الإسلام من بينها وأتصدى لما اختاره جوابا عن هذه المسائل وإيضاح ما جاء به من نظام مخصوص للأخلاق على أساس هذا الجواب وطبق مقتضياته.

فهو يقول جوابا عن هذه المسائل: أن لهذا الكون إلها وأنه ما من إله إلا الله. فهو الذي خلق هذا الكون وأوجد كل مل فيه، وهو المتصرف في أمره لا شريك له في ذلك. وله الأمر والنهي وهو رب السماوات والأرض ومن فيهن. وهذا النظام الكوني الذي نراه سائر بانتظام.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٤٦