دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 8
كلمة العدد: دعوة الحق في سنتها الثالثة
بصدور هذا العدد تدخل مجلة «دعوة الحق» في سنتها الثالثة، يشد من أزرها ويساعدها على المضي في سبيلها، ما كتب لها في سنتيها المنصرمتين من التوفيق والنجاح، وهو نجاح مهما تحدثت عنه الصحف، ومهما أشاد به القراء والنقاد، ومهما وصلتنا في شأنه من داخل المغرب وخارجه من رسائل ومكتبات وقصاصات من الصحف، فإننا لا نراه إلا نجاحا نسبيا، نعتز به، ولكنه لا يحملنا على الغرور.
إنه نجاح نسبي، ما كنا في الحقيقة نحلم بمثله في هذا الظرف الوجيز، ولكننا مع ذلك لا نزال نراه دون الغاية التي رسمناها مند البداية، وصممنا على بلوغها مهما تكن المعوقات، ومهما يعترض طريقتنا من الصعوبات والعراقيل والأشواك.
وأهم هذه الصعوبات أننا نحيى في المغرب منذ ثلاث سنوات حالة انتقال صعبة وخطيرة ومعقدة. حالة انتقال بكل ما يصحب هذه الحالة عادة من البلبلة والاضطراب والتوتر، وهي حالة يعاني منها الجميع من غير شك، ولكن المثقفين يعانون منها على الخصوص أكثر من غيرهم، ولا غرابة في ذلك، فهم المسؤولون عن قيادة مجتمعاتهم، وهم الذين تناط بهم - بحكم ثقافتهم- مهمة التفكير والبحث ووضع التصميمات اللازمة لمستقبل أحسن.
نحن لا ننكر دور الجماهير في خط الطريق إلى المستقبل، ولا نقلل من قيمة الوعي الجماعي والإحساس الفطري للشعب، بل إن هذا الإحساس بما يكون عليه في الغالب من الصفاء والبساطة والبعد عن التعقيد قد يكون أقدر من تفكير المثقفين على تجديد الغايات والأهداف، والتحمس لها، وحمل صاحبه على بدل كل التضحيات اللازمة من أجل الوصول إليها؛ ولكن الإحساس مع ذلك شيء والتفكير شيء آخر.
الإحساس عامل فطري ذو أهمية كبيرة، وذو تأثير فعال، وهو العامل الأساسي في تحديد الغايات والأهداف، ولكن الصعوبة ليست في تحديد الغايات والأهداف، وإنما في وضع التصميمات اللازمة للوصول إليها، وتلك هي مهمة التفكير، تلك هي المسؤولية الكبرى للمثقفين في المجتمع، فإما أن ينهضوا بها، وإما أن يعلنوا عن إفلاسهم وسلبيتهم.
والمثقفون في بلادنا ليسوا سلبيين إلى الحد الذي يشاع عنهم، وهم يحاولون باستمرار أن ينهضوا بمسؤولياتهم، كل في ميدانه، وإذا كان يبدو عليهم أنهم يعانون أكثر من غيرهم من حالة البلبلة والاضطراب والتوتر التي تحدثنا عنها، فلعل ذلك لا يعدو أن يكون ظاهرة طبيعية، ما داموا يعانون عملية التفكير، وما داموا لم يقطعوا فيها شوطا بعيدا، وما دامت النتائج لم تتراء لأعينهم، فتطمئنهم إلى أنهم وفقوا في اختيار الطريق.
وما بالك بفئة محدودة العدد، عليها أن تنقل أمة بكاملها من التبعية إلى الاستقلال، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الإقطاعية إلى نظام اجتماعي عادل.
عليها أن تمحو، بأسرع ما يمكن لها أن تفعل ذلك، ما خلفته أربعون سنة من الاستعمار في أبشع صوره من التعفن والانحطاط والتخلف عن ركب الإنسانية.
وعليها في الدرجة الأولى أن تنزع في حزم وفي غير هوادة أو تردد، آثار أربعين سنة من الاستعمار، من نفسها هي، من لسانها وعقلها وشعورها، حتى يمكن لها أن تفكر في حرية، وحتى تتم لها الصلاحية للقيادة و التوجيه، وحتى تستطيع أن تختار للمستقبل التصميم الذي يمليه ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، التصميم الذي يمليه كوننا مغاربة لا