دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص145
العدد الماضي في الميزان
الأستاذ: عبد القادر حسن
عفا الله عن سميّي الاستاذ «عبد القادر» الصحراوي فقد كلفني - عن حسن ظنه بي - شططا وهو بطلب مني ان اكتب في هذا الباب، وقد حاولت بجميع ما وهبني الله من لياقة وحسن «تخلص» ان احيله على غيري ممن مارسوا الكر والفر في ميدان النقد والتفريظ، ولكن ذلك كله مر بدون جدوى، فقد كان الحافه شديدا، وما فتحت ثغرة للنجاة، الا وجدته هيا - في كياسة - ما يغلقها دوني، فكان الامر دبر بليل، للاتقاع بي في مشكلة كان احرى بي ان اكون منها بمنجاة.
فهل ارفع موازين النقد واضع انتاج الزملاء على المشرحة حتى اضع اصبع القارئ على مواطن الابداع، ومواطن الضعف والسقوط في كل انتاج انتاج؟ انها لمهمة شاقة، سيما والمثل الدارج يقول «شهادة اليوم تلقاها غدا» وانا ما اريد ان افتح على نفسي ثغرة بصعب على اغلاقها بعد حين فرحم الله ابا الطيب حين يقول «وعداوة الشعراء بئس المقتنى».
وحتى لو اردت ذلك، ووطدت العزم على ان اكون هدفا لغيري في مستقبل قريب، نداء لقبول «الحق» الذي تدعو له المجلة التي انتمى إلى اسرتها، فاي الموازين ارفع، القديمة، ام الحديثة؟ فمن كتاب وشعراء هذه المجلة طائفة محترمة من الظلم تطبيق قواعد النقد الحديث عليهم، لانهم درسوا وانتجوا قبل انتشارها، او لانهم لا يؤمنون بمقاييسها، كما انه من الظلم تطبيق قوانين النقد القديمة على طائفة أخرى ناشئة، جعلت تاخذ مكانها في حياتنا الأدبية، في حين انها لا تعرف الكثير عن ذلك المقاييس، او لا تؤمن بها؟
يبدو لي انني سأكون ظالما على كل حال، وحتى لو كلت بصاعين فسوف لا اسلم من الحيف، فانا نفسي مخضرم - على ما يبدو لي - آخذ من كل فريق ما يحلو لي، واعتمد في الأغلب على ذوقي الخاص، لا على هذه المقاييس او تلك، فالأدب للادب يستبد بنفسي في الأغلب، من حياتي، ولاكتني - بدون شعور - اجدني في غمرة الأدب للحياة في كثير من الأوقات، ولا اظن أي اديب من أدبائنا المحترمين معا في من مظهر -قل او أكثر - من هذه الحيرة التي يعيشها جبلنا الحاضر، سواء جرؤ على الاعتراف بها ام لم يجرؤ، أحس بإعراضها ام لم يحس.
طالما فكرت في هذا الموضوع، أي موضوع البلبلة الذي نحياه جميعا - حسبما اعتقد - والذي يجعل الكثير منا نسى مشيته في حين لا يتقن مشية المحام او على الأصح يوحي إلينا ما قر في أفكارنا من تقديس لكل ما هو من الغرب، ان كل شيء في يدنا شر لا خير فيه، وانه يجب ان نولد من جديد حتى نماشي الحياة الجديدة، الملتزمة الهادفة، ولكننا كلما تقدمنا خطوة في هذا السبيل، الا وابتعدنا خطوات عن المنبع الذي يجب ان نظل نرتشف منه، بسبب الإغراءات الخادعة، ومركب النقص الذي يجعلنا نوشك ان نتنكب كل شيء لنا ان لم نكفر به جهارا، وفي نفس الوقت لا نستطيع ان نمشي مشية الحمامة، ذلك المخلوق الغريب عنا الذي جعلنا تقليده هدفا يجب ان نصله، لا في الأدب فحسب، والا لهان الأمر، بالرغم عن ان الأدب مجلي الحياة، ولكن في المتجر، والخبز، والادارة، والمصنع، والبيت، والمدرسة، بل اغرب من ذلك وهذا، هو ما سمعت من حديث بعض القوم عن تطوير المسجد! فقد اعجب هذا الشاب بحفلة دينية احياء لعيد الميلاد في احدى كنائس باريس، فتمنى لو كان في مسجدنا شيء من تلك المغريات، كراسي مثلا، و (بيانو)، واصوات جميلة، فما راي وزارة الاوقفاف المحترمة؟
وان الالم ليحز في النفس حينما يتخيل المشفقون منا أي مصبر نتردى فيه لو بقينا - لا قدر