دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص 136
في النقد الأدبي: في شعرنا المعاصر
بقلم: محمد الأمري المصمودي
- 6 -
هناك حقيقة نستخلصها بعد الوقوف على مضامين الإنتاج الشعري لهذه القطاعة، ونعني بها طغيان الجانب الذاتي على الجانب النضالي؛ فأكثر القصائد المنشورة خلالها - باستثناء حوليات العرش - تدور في محيط ذاتي بعيد عن واقع الشعب المغربي في فترة حاسمة من تاريخه، عكس القطاعة السابقة لها، وقد رأينا أن الشعر النضالي كان من أبرز مضامين إنتاجها، وسوف لا نجافي الحقيقة إذا نحن عددناها الإسهامة الكبرى للشعر المغربي في إذكاء الثورة ضد الاستعمار؛ أما التعليل الجذري لطغيان الجانب الذاتي فنراه ممثلا في التأثر بهذه النزعة عند شعراء المشرق، إنها الانفصال عن الشعب وآلامه، وهو انفصال ساهمت في تكوينه عوامل مختلفة أبرزها: احتكاك الأمة العربية بالدول الغربية سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبلبلة الاتجاه السياسي للحكومات العربية والجامعة العربية نفسها آنذاك، مما بذر في نفوس الشعوب العربية عقدا كان من أثرها على الشعراء دورانهم في المحيط الداخلي لذواتهم؛ وصحيح أن الاحتكاك حصل في المغرب بجميع وجوهه كذلك، لكن الاتجاه هنا كان واضحا، وهو استرجاع السيادة المغتصبة أولا، ومن ثم كان التأثر غير المتمثل هو الذي خط السبيل دون أن يعادله في ذلك عامل الرقابة الاستعمارية، وكانت حقا تجهز على كل إنتاج ينبض بالروح الوطنية، ومع ذلك لا ننكر أن ذلك الإجهاز كان يختلف بين الآونة وأخرى تشددا وتغاضيا، كما لا ننكر أن الكتاب كانوا دائما يجرءون على قول ما لم يجترئ عليه الشعراء أحيانا، ويحتفظ التاريخ الأدبي للأستاذ أحمد زياد بمقالات كان ينشرها بجريدة «العلم» و «رسالة المغرب» يندد في أكثرها بانفصال شعرائنا عن بيئتهم؛ نذكر منها على سبيل المثال مقال «نريد أدبا يمثلنا» وفيه يقول «وقد قلت مرارا وكررت القول بأن، إنتاجنا الثقافي يجب أن يكون قطعة لا تتجزأ من حياتنا العامة، وأنه من الخير للأدب ومن مكامن البيئة المغربية».
وإذا كان علينا إلا نتغاضى عن نشاط النقد في هذه القطاعة فلا يفوتنا أن نشير إلى أنه كان في معظم حالاته فقهيا يعني بالناحية اللغوية والعروضية أكثر مما يعني بالناحية الفنية، وكان من البارزين في ذلك الأستاذان عبد الرحمن الفاسي وأحمد زياد، وقبلهما قرأنا نقد الحاج إدريس الغماري لقصيدة الشاعر عبد الغني سكيرج «الأدب والعرش» التي يقول في مطلعها:
ما شاءت الأقدار لا ما يوعد وحي من الرحمن لا يتقيد) 1 (.
كما قرأنا نقد الخلوي في جريدة «الأسبوع» التونسية لإحدى قصائد المرحوم عمر البارودي، وقد استهلها بهذا البيت:
رمتك الحياة يا أخت الحياة في صحراء مقفرة خالية
وفي هذه القطاعة طرق الشعر المغربي - أول مرة على ما أعلم - الرواية التمثيلية، فلقد قدم لنا علال ابن الهاشمي «ربة شاعر» التي كان ينشرها متسلسلة في رسالة المغرب، لكن الذي يعاب عليه فيها اعتماده على قصة جاهزة للمرحوم علي الجارم هي «هاتف من الأندلس» ذلك أن شخوص هذه القصة هم نفس الأشخاص في «ربة الشاعر» بدون استثناء حتى ما
(1) العدد الثالث من رسالة المغرب السنة 1 (نونبر 1942) ونشر النقد بالعدد السابع من نفس السنة.