تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص134

مطالعات و آراء: رحلة ابن بطوطة

بقلم: الطاهر زنيبر

لم يكن من السهل أن نقف على مناهج البحث عند القدماء فيما كتبوا، لان هذه المناهج غير مفهومة وغير واضحة.

ولذلك كان الوصول إلى الحقائق التي يضمها هذا التراث القديم صعبا وشاقا جدا، وخصوصا في عصرنا هذا الذي تطورت فيه أساليب البحث ومناهج العلم.

وقد كانت رحلة ابن بطوطة من بين هذا التراث الغامض في المنهج والهدف، لقد انتهيت من قراءة أكثر ما كنت عن الرحلة إلى ظاهرتين:

كانت الأولى توضح أن الرحلة تعتبر مصدرا تاريخيا لحياة تلك الشعوب التي مر بها ابن بطوطة، اجتماعيا وسياسيا وفكريا.

وكانت الظاهرة الثانية تعتبر أن الرحلة تخطيط جغرافي لطريق الشعوب التي مر بها ابن بطوطة، وهذا ما دعا الرحالة الشهير (سيتزن) أن يقول:

«أي سائح أوربي يمكنه أن يفتخر بأنه قضى من الزمن ما قضاه ابن بطوطة في البحث لكشف المجهول من أحوال هذا العدد الكثير من البلدان السحيقة، وتحمل من مشاق الأسفار ما تحمله بصبر وثبات وشجاعة؟ بل أي امة أوربية كان يمكنها منذ خمسة قرون أن تجد من أبنائها من يجوب البلاد الأجنبية، وفيه من الاستقلال بالحكم والقدرة على الملاحظة والدقة في الكتابة ما لهذا الرحالة العظيم؟ أن جاء به من المعلومات الصحيحة عن جهات افريقية المجهولة لا يقل في فائدته عن معلومات «لاون» الإفريقي.

أما جغرافية بلاد العرب وبخاري وكابول ومندهار، فقد استفادت من الرحلة كثيرا، وفيما كتبه عن الهند وجزيرة سرنديب من المعلومات المفيدة ما يدعو انجلترا الهند إلى قراءته فإن فيه ما يفيدهم في سياستهم» 1©.

ولا يكاد الواقف يستقر على هذا الظاهرة وعلى ما يؤيدها ويجعلها الهدف الخاص لهذه الرحلة حتى يكاد يفاجأ بما يناقضها أو يقترب من مناقضتها. قال احد هؤلاء:

«وابن بطوطة لم يكن جغرافيا فهو لم يهتم بالأقطار إلا قليلا، وحتى المدن إنما وصفها باعتبار ما يقطنها من الناس، فقد كان الناس موضع اهتمام الرحلة ولذلك فقد يفيدنا في التاريخ والاجتماع أكثر مما يفيدنا في الجغرافية».

وقال آخر: «وإذا كان لكتاب رحلة ابن بطوطة ميزة ينفرد بها عن معظم كتب الرحلات فهو أنه ليس كتابا في الجغرافية الوصفية للبلاد والجبال التي رآها الرحالة في أسفاره بل انه في معظمه نسخة نادرة من الصور التي ارتسمت في ذهن ابن بطوطة عن الأشخاص والناس الذين ألقت بهم الصدف في طريقه.

فهو صفحة من التاريخ الاجتماعي الإسلامي في القرن الثامن الهجري والرابع عشر الميلادي، أكثر منه كتابا في تقويم البلدان والجغرافيا مع العلم بأن ابن بطوطة لم بهمل تلك الناحية فيما كتب مما يتضح في المواضع المناسبة مما يلي» 2©.

1© مقدمة تهذيب الرحلة

2© الدكتور محمد مصطفى زيادة.

__________

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٠٨