ويباعدكم من الجنة إلا نهيتكم عنه» وقال: «خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلا على الناس» مثلي معكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الحشرات تتساقط فيها وجعل يحجزهن فيغلبنه فيقتحمن فيها فانا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تقتحمون فيها.
«الإيمان والعمل إخوان شريكان في قرن لا يقبل الله أحدهما إلا مع صاحبه)) الطاعم النائم في الجهاد خير من الصائم القائم في سواه - المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل شيء احرص على ينفعك ولا تعجز، واستعن بالله، فإن غلبك أمر فقل قدر الله - رحم الله رجلا ممسكا بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها".
أمام هذه الغرر والدور أين نحن من تلك الأقوال المجهولة المصادرة في الغالب مما مؤداه: إرسال الحبل على الغارب والإحالة على المقادير في كل مناسبة وبدون مناسبة.
هذا وان طبيعة الكلام قضت بأن اطرق الآن مسألة هي أحر من جمر الغضى بأن أفتح باب حوار لتمحيص ما يجري على الألسنة من أمثال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، اعملوا ولا تتكلموا، يحملهما الناس على معنى يرمي إلى إخماد روح المقاومة في الإنسان، وإقناعه بالاستسلام لما يأتي به الليل والنهار، والذي يقال في هذا الباب أن السنة القولية، الاحوط والأسلم فيها أن تفسر بالسنة العملية، فلننظر إذن في السنة العملية ولنعرض عليها ما نحن فيه فأقول: هذان الخبران: اعملوا فكل ميسر لما خلق له - اعملوا فكل ميسر لما خلق له - اعملوا ولا تتكلموا - أن صح أنهما حديثان، لا يمكن الجمع بينهما وبين ما جلبته أعلاه، وان سلك المتأولون ما سلكوا من مضائق التأويل، ولو إلى الحد الذي يقول فيه القائل:
لي صاحب أفديه من صاحب لو شاء من رقة ألفاظه حلو التأني حسن الاحتيال ألف ما بين الهدى والضلال
وأما ما يرجع للسنة العملية، وسامي درجتها في التاريخ العالمي، فإليكم ما قاله المؤرخ الشهير لامرتين في كتابه تاريخ تركيا: «جميع الرجال النوابغ الذين عرفهم التاريخ برزوا في ناحية واحدة من نواحي النشاط البشري، بعضهم اشتهر في الميدان العسكري، وبعضهم في النظام الاجتماعي، وبعضهم في النظام السياسي، وهكذا إلا نبي الإسلام، فانه أحرز على شهرة عالمية في جميع ميادين الحياة الرئيسية، إنها لخصوصية تدل على أن صاحبها تمده عناية خارجة عن الطوق البشري»
وعليه فإذا كانت السنة القولية تفسر بالسنة العملية، أمكن تخريج خبر: اعملوا فكل ميسر لما خلق له" بان يكون معناه اعملوا فإنكم ميسرون لما طوقتموه بما أودع الله فيكم من قوى ظاهرة وباطنة تمكنكم من صدق ما أنعم به سبحانه عليكم فيما خلق لأجله، فالميدان أمامكم فسيح والمحجة أمامكم واضحة، فاستبقوا الخيرات، بهذا المعنى، لا بالمعنى الذي يجري على الألسنة ينسجم الخبر مع ما جاء من الآيات الحاثة على العمل، وهو المعنى الذي يتفق مع روح القرآن ومع الآيات التي جلبت طائفة منها.
انتقل الآن إلى الخبر الثاني وهو: اعملوا و لا تتكلموا، فأقول أن معناه لا يخالف معنى الخبر الذي قبله وهو كسابقه يرغب في العمل وينهي عن الاستنامة لمجرد الاتكال، إنما الاتكال ما كان في دائرة قوله عليه السلام: «المؤمن القوي أحب واقرب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل شيء احرص على ما ينفعك واستعن بالله، فان غلبك أمر فقل قدر الله - خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلا على الناس، نهى عليه السلام عن الاتكال الذي كان خلقا سائدا في بني إسرائيل معتبرين أنفسهم شعب الله المختار، ذلك الاتكال الذي حدا بهم إلى قول ما قالوا: «لن تمسنا النار إلا أياما معدودة» وفي معناه قوله تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، متمنيات وأحلام بنوا عليها اتكالهم.
وأما المسلمون فان الله اختار لهم أساسا لتربيتهم قوله تعالى: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون - ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سواء يجز به - وان ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة - قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون، كانت لهم جزاء ومصيرا، لهم فيها ما يشاءون خالدين، كان على ربك وعدا مسؤولا".