تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النشاط العام الذي يقوم به الفرد والجماعة والدولة كل يوم، تغلغلت جذورها وبسقت فروعها، فصار من الصعب اقتلاعها ولو تضافرت الجهود على ذلك، الا ان ينقرض هذا الجيل المؤمن تقليدا بالغرب وحضارته، والكافر تقليدا بكل ما عدا ذلك.

لقد سد الاعجاب بالثقافة الغربية منافذ التفكير على هذا الجيل، وقاده ذلك الى التقليد الاعمىلجميع مظاهر الحياة عند الغربيين، وليس للاعجاب غير المحدود والتقليد الاعمى نتيجة الاى العجز وتسليم الارادة للجهة التي هي محل الاعجاب ومناط التقليد، وكان فيلسوفنا الاجتماعي عبد الرحمن ابن خلدون قد تحدث في مقدمته عن ولع المغلوب بتقليد الغالب، وأعطى أمثلة على ذلك مما صار اليه حال المسلمين في الاندلس بعد القلة والذلة، ولم يحضر رحمه الله نهاية الاندلس المسلمة ولكنه تنبا بمصيرها يسبب ما ذكر .. فهل يمكن القول أن العالم الاسلامي اليوم يمر بالتجربة التي مرت بها الاندلس وأن نهايتها شتكون هي نهايته؟!

انه ما من شك في ان حالة الاسلام اليوم هي اقبح مما كانت عليه في الاندلس، ولكن المسلمين سوف لا يطردون من بلادهم _ وان كانت بادرة فلسطين لا تحمل على الاطمئنان كثيرا _ كما طردوا من الاندلس، وانما الذي يقع، وهو جار بالفعل، ان يطرد المسلمون من حظيرة دينهم، وان يجردوا من كل ما يميزهم عن غيرهم من شعارات ومظاهر، وان ينسلخوا من ربقة الاسلام ورابطته شيئا فشيئا حتى لا يبقى بيدهم الا هذه القوميات الضيقة التي هي الى التقاطع أدعى منها الى التواصل، وبدلك يحارب بعضهم بعضا مع الاجانب وبدونهم، وبذلك لا تقوم لهم قائمة بعد ولا يزالون يسبحون في فلك المستعمر وان جلا عن اراضيهم.

ان فكرة القومية والوطنية كانت هي اولما غزا عقول الجيل الراهن من المسلمين، ولما تخلصت البلاد الاسلامية من الاستعمار السياسي بفضل الشعور الديني لابفضل القومية والوطنية والانقلاب التركي نفسه لا يستطيع نكران هذه الحقيقة جاءت خدعة نظام الحكم عند الغربيين، فاستولت على أفكار هذا الجبل، فهذا مغرم بالديمقراطية، وهذا بالشيوعية، وهذا بغير ذلك، اما نظام الحكم الاسلامي فلم يعد يشغل حيزا من فكر الزعماء والقادة، والمتسلم منهم من يلطخ دعوة الاسلام ودستور القرءان فيضمها بهذه الاسماء المدخولة، ويتحدث عن ديمقراطية الاسلام والاشتراكية الاسلامية، وربما في يوم قريب نسمع حديثا عن الاسلام الشيوعي.

لو شبهت هذه الديمقراطية ومذاهبها المختلفة بالاسلام لكان ذلك طعنا في حقه، فكيف يشبه ما اتى به من قبم عليا ومثل سامية بالديمقراطية أو الاشتراكية وما اليها ... ان هذا النظام الذي لا ضمير له الا الرشوة و لا قانون الا الميز، حرام ان يقاس به النظام الذي جعل صيبا وبلالا وسلمان في مستوى واحد مع أبي بكر وعمر وعلي.

وبعد الاصفاق على نظام الحكم الاسلامي كله، واجه اصحابنا القوانين والاحكام والعقود، فلم يترددوا في اقتباس القوانين الغربية ومجلات أحكامها، بل انتساخها وترجمتها بالحرف، أنه العجز الذي تحدثنا عنه ءانفا لا يساعدهم حتى على الاقتباس، وهكذا بعد ان كان الحاكم يحكم باسم الله صار يحكم باسم غيرهـ لان الغربي اسقط الدين والاعتقاد والشرع الالاهي من حسابه، فمقلده الذي هو أهون منه لا يمكن ان يكون الا كذلك، ولم يحكم باسم الله وهو لا يحكم بشرعه، اللهم الا هذه العقدة التي واجهت أصحابن في كل بلد اسلامي، وهي عقدة الاحوال الشخصية، فمن حيث ان الاجنبي لم يهتم بها حتى يقننها فيوفر عليهم تعبا كبيرا، كانوا مضطرين لتبوبها وتفصيلها والتبجج بعد ذلك بانهم قاموا بأعظم اصلاح للقانون الاسلامي، وانصاف المراة المسلمة المهضومة الحقوق المستباحة الحرمة ...

نعم لقد هضمت حقوقها واستبيحت حرمتها حقا، ولكن بعد انصافهم لها، فبينما لم تكن توجد في البلاد الاسلامية ارملة ولا عانس، صارت هذه البلاد اسوة ببلاد الحضارة الوائفة تعج بالنساء المحرومات من دفء الزوجية، وبعد ان كانت الفتاة مطلوبة صارت طالبة، وبعد ان كان الطهر والعفاف شعار المجتمع الاسلامي صار الفسق والفجور وخيانة الزوجية الطابع الغالب على هذا المجتمع.

ان الفتاة المسلمة التي كانت كالزهرة الناضرة، والتي كانت لا تمتد اليها عين فاحرى يد السوء، صارت الآن تغشى المحافل والمجتمعات الراقصة، وتبرر وهي كاشفة أطرافها ومبدية زينتها بل عارضة لمفاتنها، مخالفة المخالفة الصريحة العلنية لتعاليم القرآن وسنة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٩٠