تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المفارقات الغريبة ان الحادث لبثانب الذي كان حريا ان يحدث تورة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ضد المفاهيم الاسلامية، والذب تعرضت فيه دعوة الاسلام لامتحان جديد، كان قد طلع قرنه بين الاوساط الفقيرة، ووجد فيها ميدانا خصبا لبذر هذه المبادىء الاشتراكية المتطرفة التي تنازع المتمولين أموالهم والملاك أملاكهم، وتهدر جميع الفوارق بين طبقات المجتمع التي اقرتها السنة والاعراف المتوارثة، وكان زعيم هدا المبدا هو الصحابي الجليل ابو ذر الغفاري الذي كان يقف في ميادين دمشق وسبلها العامة فيقول: (بشر الكانزين بنار يحمي عليها ما كنزوا فتكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم) وكان يمشي هو وعبده وعليهما ملتان متماتلتان، وإذا اكلا أكلا معا طعاما واحدا، فكان بلتف حوله لسماع أقوالهجماهير غفيرة من الطبقات الشعبية الفقيرة، وخاصة من مسلمة الامصار التي لم تكن قد تمكنت منها الدعوة الاسلامية تمكنا كاملا، وكانت تضاف اليه أقوال ويزاد في مذهبه ما ليس منه، فتضايق منه معاوية - وكان ولبا على الشام - وخاف من هذه الدعوة أن تنقلب الى تجربة يقوم بها الموالي والعامة والموتورون من أهل الاقطار المفتوحة، فشكاه الى عثمان الذي دعاه الى المدينة، ولما تبين له خطر الدعوة التي يقوم بها نفاه الى قرية منعزلة يقال لها الربدة حيث أمن خطره.

وهذا الموقف الصارم من الخليفة الثالث، لم يكن لينقد نظام الحكم في الاسلام وشريعته المطهرة غيره، فان مسلمات هذه الشريعة الاعتراف بحق الملكية الشخصية، وعدم مشاعية الاموال بل وجوب حمايتها حماية الارواح، الا ما كان من مال الدولة فإنه الذي يحق أن ينال منه الجميع، كل على حسب مقامه، يضاف اليه مال الزكاة الذي يختص به الفقراء والمحتاجون دون سواهم، وفيما عدا ذلك فان الناس جميعا مدعوون الى تنمية ثرواتهم بالوسائل المشروعة، ولهم أن يتوسعوا في طرق العيش ما شاءوا اذا ادوا ما عليهم من الواجبات، ولذلك استنكر الصحابة مذهب أبي ذر هذا وكان ابن عمر (ض* يقول «كل مال أدبت زكاته فليس بكنز ولو كان تحت سبع أرضين»، نعم في ميدان البر والإحسان لا حد للتنافس ولا غاية للبذل، والمسلمون مدعوون الى ضرب الأرقام القياسية في هذا الصدد، ولكن على طريق الترغيب لا على طريق الالزام.

وما ورد في الكتاب والسنة من الحض على الاتفاق في سبيل الله ومواساة الضعفاء والتنفير من البخل والامساك، هو مما لا يجهله احد، وهو الذي حمله ابوذر (ض) محمل العزيمة في حين أن غبره من الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون وبقية العشرة المبشرين بالجنة، لم يكونوا يرون رأيه وكان فيهم الممولون جدا كالزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، على انهم حين الدعوة الى البدل والعطاء كانوا يتسابقون الى ارضاء الله ورسوله، فأبو بكر الصديق أحضر مرة كل ماله، وقال له النبي (ص) ماتركت لاولادك؟ قا تركت لهم الله ورسوله، وعمر بن الخطاب أحضر نصف ماله، وعثمان بن عفان الذي وقف بجانب الرأسماليين لا يكاد يحصر ما دفع من مال في سبيل نصرة الدعوة الاسلامية حتى أنه جهز جيش السرة كله من ماله، وقال فيه النبي (ص) «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم».

أريد أن أقول ان الاسلام الذي أعطى لكل ذي حق حقه، وفرق بين الرأسمالية المتعنتة والاشتراكية المتطرفة، وجد في خليفتيه الراشدين خير مدافع عن شريعته وقيمه ومثله، فما هددت الطبقة الغنية بحرمان الفقراء من حقهم حتى وقف خليفته الاول بجنب الفقراء مناصرا لهم على الاغنياء وما أن نجم خطر تهديدالطبقة الفقيرة للاغنياء وطمعها في احتياز أموالهم بدون حق، حتى وقف خليفته الثالث بجنب الاغنياء يحميهم من ثورة الفقراء ويصع حدا لمذهب لو كان انتصر لقلب الاوضاع في المجتمع الاسلامي راسا على عقب ونشر الفوضى ورد الحكم الى أيدي جماعة من المشردين والدخلاء.

ويتعرض الاسلام في ايام الخليفة المظلوم على ابي طالب كرم الله وجهه لخطر اشد وأعنف من كل ما تقدم، وهو خطر الخوارج الذي لم يكن يتهدد النظام المالي للدولة فحسب، ولكنه كان يهدد الكيان السياسي والاجتماعي والعقدي للمسلمين، فلم يتردد على بن أبي طالب في شن الغارة عليهم وقتالهم مدة ايام خلافته، حتى قضى شهيد الدفاع عن حوزة الدين وجمع كلمة المسلمين، والعجب ممن يوافق على قتال مانعي الزكاة ولا يوافق على قتال مفرقي كلمة المسلمين، والنبي (ص) يقول: (اذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما) ومن أحدثوا في الدين مذاهب وآراء لم بات بها كتاب و لا سنة والنبي (ص) يقول: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ورد ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٨٨