تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حلل السيد (البرجالي) الوضع السياسي بعين ثاقبة ساهرة وبقلم مخلص، وأما تحليله للوضع العسكري فكاف لتحويل العربي المؤمن بعروبته إلى كتلة ملتهبة تضاف إلى الكتل الملتهبة التي تنطلق من كل واد وجبل ومن كل سهل ومدينة ومن كل شبر في أرض جزائرنا الحبيبة التي نثق بأن النصر لعروبتها تماما ثقتنا بوجودها.

ويقود الأخ (أحمد مراد) وهو الذي عرفت فيه الإخلاص مجسما لعروبته وقضية وطنه، قلت: يقودنا إلى الثورة من حيث بدأت ومن حيث انطلقت، من حيث أناشيد بن باديس وتلاميذه.

حدثنا ولنعم الحديث عن الكلمة الطيبة، وعن العقل المدبر، وعن الذي يناضل في سبيل تربية الشعب بحيث تولد منه حركة قومية شعبية لن تقف في وجهها قوة على هذه الأرض مهما جمعوا لها من أحلاف وخطط، ولئن غزا الغربي الفضاء السحيق والقمر والمريخ فهو عاجز على أن ينال من شعب أنبت (ابن باديس) وغير ابن باديس.

ولا أريد أن أورد نقدا على نقد (الأستاذ المصمودي) في (شعرنا المعاصر) سوى أن الكاتب يمثل لما يذكره بكثير من الشواهد، وفي المقال جهد ودرس ومحاولة، ولكنها لا تبلغ حد الوضوح في التخطيط والتحديد والتقسيم والمقارنة، وهو أقرب إلى دراسة تعليمية. ولست أزعم لنفسي دراسة كافية بالشعر العربي المعاصر في المغرب تسمح لي أن أناقشه في أحكامه الكثيرة.

أما الأستاذ (برادة) فقد قدم لنا الدكتور منذور في كتابه " الثقافة وأجهزتها" والكتاب لم يقع بين يدي إلى الآن، فلابد أن أقتنيه بعد ما قرأت ما كتبه الأستاذ.

والآن نعود إلى (أغنية بلادي) للشاعر الصباغ ثم القصائد:

التجربة تضل فجة حتى تعاش بعمق ثم يعبر عنها بعمق وتجربة السيد الصباغ عميقة، وهو يعيشها مع أنشودته في عمق، ولكن لا خير أبدا في بعض البسط المسترخي الذي كان يلم بعض تفاصيل فقيرة في دلالتها، وحبذا لو جمعت في فكرة عميقة لترفرف الفكرة فوق كل تلك التفاصيل.

جمعت الأنشودة بين طياتها أبنية لغوية محكمة، وبلاغة مشرئبة " أحيانا" وبين هذه وتلك بعض تفاصيل لم يحس اصطفاؤها بحيث تكون لبنة في بناء كله استقامة (في حديقة لحمي) (عرق عاطفتي) أنا لا أظن أن هنالك مبررا (لعرق العاطفة) طالما (لا تعرق) فالرمز دائما يجب أن يكون أقوى من المرموز إليه. . و (الجياد الجياع) هل تشعر أنها بمستوى ثورتك يا أخي.

عاش الشاعر تجربة جيله في الغابة المظلمة، ثم أخذ يحرك فكرته لتتراوح بين اليأس والرجاء، وبين المحبة والحقد، ثم جرب القلق، ثم ثار فأثبت فعلا أنه مكن الجيل الجديد ــ بين الشعراء ــ لأن الجيل القديم كان يجزم ويقرر دون شعور بالمسؤولية، ودون أن يشرك ذاته في الموضوع. أما صاحبنا فلم يتوخ الوقع الظاهري المسرحي، بل توخى الحقيقة المرتبطة بكيانه وقيمه الحية.

ثم نلتقي مع الأستاذ " إدريس الكتاني" في قصيدته " عميروس في موكب الخلود" ولن أبالغ إذا قلت بانه القصيدة التي أطربتني في العدد، بفكرتها وبنضجها وبتعبيرها الغنائي العذب، ولقد شعرت وأنا أرددها " أكثر من مرة" أن كل ما جاء فيها من نبرها ولفظها وجرسها هو من نفسه ومن وجدانه، وخلت من هذا الذي يعاب على الشعر الحديث، فجاءت غنية بنبضها الدافئ وصورها الشعرية المتكاملة.

ومن بين قصائد العدد " وحي القرية" للأستاذ محمد الحلوي وقد شعرت بان المقدمة كان فيها بعض النقل وأن أمواجا كانت تضطرب في بحرها، ولكنه أجاد عندما انتقل إلى السوق، إذ كانت حركات شعره وصوره ظاهرة ومنسجمة كل الانسجام مع حركة السوق، كما أنه تجاوب مع النداء الداخلي للعطش يوم يلوح السقاء.

وفي العدد أيضا قصيدة للأستاذ عبد القادر حسن عنوانها " أغنية الأطلس ".

يضطر قائل " شعر الوصف" أن يثرثر أحيانا، ولكن صاحبنا استطاع أن يبعد الثرثرة إلى حد كبير عن قصيدته إذ اختار لها هذا البحر السهل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٦٠