تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأعضاء عاملين في مؤتمر سنة 1956 ثم سنة 1957 وستة 58، ويتركب كل مرة الوفد المغربي من رجال التعليم الأخصائيين في المسائل المدروسة أمثال الأساتذة الناصر الفاسي ومحيى الدين المشرقي ويونس نكروف وعبد القادر الكحاك وأحمد بن اليمني وغيرهم، وقد استفدنا من هذه المؤتمرات وأفدنا بما عندنا، خصوصا في ميدان وسائل التعليم بالبادية وفي بناء المدارس الابتدائية، وإن لي عودة لهذا الموضوع بمناسبة الكلام على مشاركة المغرب في الجمعية الدولية للمهندسين المعماريين، ثم أنني انتخبت في الدورة الأخيرة عضوا في المجلس التنفيذي للمكتب الدولي للتربية وخليفة لرئيسه الأستاذ " كالو الإيطالي".

وأهم منظمة ثقافية في العالم هي اليونسكو وأن شهرتها لا تغني عن التعريف بها، بل بالعكس فإنها من هذه المسميات التي يكثر تردادها على الألسنة، فيمنع ذلك البحث عن حقيقتها، وكأن النطق باسمها هو الترجمان عن ماهيتها، لأن كل واحد سمع هذا اللفظ، والكثيرون يعلمون أن المغرب عضو في هيئة تسمى اليونسكو، ومن الناس من يعلم أن مؤتمرا لليونسكو انعقد بفاس، ومنهم من يعلم كذلك أن شارعا بالعاصمة العلمية يطلق عليه هذا الاسم الذائع، وكذلك تسمى به إحدى ساحات الرباط، ولكن الذين يعرفون حقيقة هذه المنظمة ونظامها وأساليب عملها وأنواع نشاطها وكبير فائدتها قليلون، وإني محاول إعطاءهم نظرة وجيزة عن هذا كله لأن استيفاء الكلام على اليونسكو من كل هذه النواحي يتطلب زمنا طويلا.

أولا ـــ ما معنى هذه اللفظة: اليونسكو؟ إنها تتركب من الحروف الأولى لإسم هذه المنظمة بالإنكليزية وهو. United Nations Educational Scientifie and Cultural Organisation أي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

تأسست هذه الهيئة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك أن جماعة من المفكرين بعد ما شاهدوا الخراب الذي يهدد العالم من جراء الحروب والويلات التي تصاحبها وتنتج عنها، أخذوا يبحثون عن الوسائل الفعالة التي يمكن بها تلافي هذه الكوارث فتوصلوا إلى هذه النتيجة، وهي: " أن الحروب تنشأ في فكر الإنسان فيجب رفع أعمدة السلم في فكره " وهذا هو المبدأ الذي ارتكزت عليه فكرة اليونسكو، وخرجت إلى حيز الوجود إثر اجتماع عقده وزراء التربية والتعليم للحلفاء، ودعوا فيه إلى هذه الفكرة، كما أوصى مؤتمر سان فرانسيسكو بنفس هذا المقترح، فعند ذلك دعت حكومة المملكة المتحدة إلى عقد مؤتمر بلندن لوضع الأسس النهائية للمنظمة، وتم ذلك في شهر نونبر سنة 1945 ومثلت في هذا المؤتمر أربع وأربعون دولة.

وقبل استعراض تاريخ وجيز لهذه المنظمة منذ تأسيسها إلى الآن والكلام على نظامها، ينبغي أن نتعرض لمناحي نشاطها، لأن الأهداف التي أسست من أجلها تحتاج إلى وسائل وأسباب لتحقيقها، والمبادئ التي ترتكز عليها اليونسكو هي غايات تعمل لها وتسعى لبثها ونشرها بين أجيال الناشئين حتى يشبوا عليها، وأول ما اتجهت إليه عنايتها هو محاربة الأمية وتعميم التعليم بين سائر الطبقات، وعملها في هذا الميدان كانت له نتائج هامة إذ كان لها الفضل كفي ابتكار الأساليب لتعليم الكبار وتطبيقها في البلاد المختلفة، وذلك بتوجيه الخبراء في التربية الأساسية وابتكار الأدوات السمعية البصرية لتسهيل التعليم بواسطة السينما والمسجلات والكتب الخاصة بهذا الشأن، وأسست مراكز تابعة لليونسكو في المناطق الثقافية الكبرى في العالم، وأهمها مركزان بأمريكا الجنوبية للبلاد ذات الثقافة اللاتينية، والثاني بسرس الليان بمصر لأهل الثقافة العربية، وقد وجه المغرب بعثة أنفقت عليها المنظمة للتدرب على هذه الأساليب، فمنهم من قضى مدة تدريبه بمركز في فرنسا ومنهم من ذهب إلى (سرس اللبان) ومنهم من قضى شهور بأمريكا وأخص بالذكر من هؤلاء شابا هو السيد عبد الكريم العلوي، قضى سنة كاملة يتنقل في مراكز التكوين للوسائل السمعية البصرية بالقارات الخمس، ورجع إلى المغرب بمعلومات راقية في هذا الاختصاص.

والقسم المتخصص بهذه الناحية في اليونسكو يصدر نشرات مهمة وكتبا ورسائل بعدة لغات، ومن جملتها العربية فيصدر عن مركز سرس الليان مثلا مجلة التربية الأساسية والتعريف بمصادر التربية الأساسية، وهي نشرة دورية تسجل كل ما يصدر في العالم من بحوث في هذا الموضوع وتلخصها؛ إلى غير ذلك من الوثائق الراجعة لموضوع التربية الأساسية ومحاربة الأمية، هذا الداء الوبيل الذي يتعين علينا نحن بدورنا في المغرب أن نكتل جهودنا للقضاء عليه.

ولم تقتصر بالطبع اليونسكو على هذه الناحية بل شمل نشاطها كل مظاهر الحياة الفكرية، فتشعبت مصالحها وتنوع مجال اختصاصاتها، حتى صارت بمثابة وزارة عالمية كبرى لشؤون التربية والتعليم والأبحاث العلمية، ونظم عملها في نطاق أقسام يختص كل قسم منها بناحية ويضم عددا كبيرا من الموظفين، فهناك قسم التربية مثلا، وعلى رأسه مسؤول كبير وتحته نحو الثلاثين من رؤساء المصالح والمكاتب، ويهتم هذا القسم بكل ما يرجع للتعليم في العالم في كل درجاته وبجميع أنواعه، وهناك قسم العلوم الرياضية والطبيعية، وقسم العلوم الاجتماعية، وقسم النشاط الثقافي، وقسم الأنباء ويهتم بشؤون الصحافة والإذاعة، وهناك مصالح كبرى أخرى مستقلة كمصلحة الوثائق والنشر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٩١