الظروف التي نجد عليها أنفسنا اليوم عندما تطالعنا الأيام بهذه الأشياء الجديدة .. ولن يكون من العدل أن نبرر موقف المتقدمين ونجرد أنفسنا من الكفاءات التي اختص بها العلماء .. إنما بقي أن نتساءل إلى أي مدى سنجاري الظروف .. وإلى أي حد سيماشي هذا الإسلام مواكب الزمن؟ هل سنصل إلى وقت نقول فيه إن رمضان سن في ظروف غير الظروف الحالية؟ أو إننا سنصل إلى أن نوزع الشهر على أيام السنة فنصوم يوما على رأس كل اثنى عشر يوما كما سمعت ذلك؟ وبالتالي فهل سنتوسل لتحطيم تلك الأسس عن طريق هذا الاسترشاد أم أننا على العكس من ذلك سنتصرف حسب الحكمة وحسب المصلحة الشرعية؟
يخيل إلي دائما أننا - ونحن نستلهم الرأي - أمام "طاقة ذرية"، فإما إن نستعملها لأغراض تحطيمية تخريبية، وهذا ظلم وجور وخروج عن الطريق، وإما أن نستعملها في أغراض سلمية إنشائية، وهذا هو العدل الذي ننشده والطريق التي نقتفي .. وبهذا سيكون من المتحتم علينا أن لا نمس أبدا بالتشريعات التي ترجع لصلة المرء بخالقة، أي العبادات التي من شأنها أن تربي النفس وتسمو بالروح، فهي - مهما بذلنا من جهة للوصول إلى أسرارها - فوق أن تتناولها التكهنات، بل إن عدم التفكير في "ترييضها" قد يكون هو السر نفسه الذي يهدف إليه الإسلام من تقنينها، فإن الإنسان بحاجة أحيانا إلى أن يمتثل دون أن يسأل لماذا هذا الامتثال، شأن الظروف الخاصة التي تفرض على الجندي مثلا أن يسلك سلوكا من غير أن يسوغ له بحال أن "يراجع" في دواعي هذا السلوك بروح فلسفية خاطئة قد تقود بك إلى العبث والإسفاف ..
وبقي شيء ثان .. فإنه ليس من الإنصاف في شيء أن نعمد إلى النصوص التي بلغت من القوة مبلغا أضحت معه في رتبة بحيث لا يتطرق إليها التوجيه والاحتمال، وهكذا نوفر على أنفسنا ذلك "الفراغ" الذي شعر به أنصار سليمان الطوفي عندما آثروا اعتبار المصالح الظاهرة على النصوص القطعية .. فإنه من غير المعقول أن تتجرد تلك "القطعيات" عن مصالح هي وإن خفيت على بعض العقول لكنها بالنسبة لآخرين حقيقة ملموسة.
فنحن إذن لسنا من دعاة "الطوفية"، إذ أننا نعتبرها سلوكا لا تدعمه القوانين ولا تستسيغه الأذواق ..
علينا أن نواجه واقعنا ونوازلنا بروح فقهية رياضية ولكن من غير أن نمس بجوهر الإسلام أو نقصد الإجهاز عليه ...