تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 .................... ص 26

جهاد جيل

للأستاذ: عبد الوهاب بن منصور

في الثامن عشر من شهر نوفمبر الحالي، تحل الذكرى الثلاثينية لجلوس جلالة الملك المعظم، محمد الخامس، على العرش المغربي المجيد، ولا جرم أن الاحتفال بالذكرى سيمتاز هذه السنة عن الاحتفالات المتقدمة، فعيد العرش لن يكون هذه المرة مجرد مناسبة سنوية يمتن فيها المغربة الروابط لتي تربطهم بالعرش، ويظهرون الولاء والإخلاص للجالس عليه، وإنما سيكون فوق ذلك عيدا لانتصار رائع، توج به جهاد جيل كامل صرف مقاليده محمد الخامس بمهارة ضد الإقطاعية والاستعمار.

والمؤرخ المنصف لا يسعه إلا أن يعد الثلاثين سنة الماضية مرحلة تحول حاسمة في حياة الأمة المغربية، كما لا يسعه إلا أن يعترف بفضل محمد الخامس على هذا التحول الذي صرف المغرب من وجهة إلى وجهة، وفتح في وجهه الطريق نحو تطور عام شمل الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية كلها.

كانت ولاية محمد الخامس سنة 1927 نقطة الانطلاق نحو مصير جديد، لقد كانت البلاد عندما ولي الملك في حيرة وذهول، من أثر الصدمة التي أصابتها بالحماية وإخفاق ثورة الريف، تلك الثورة التي كانت ترجو من ورائها استرجاع الحرية والاستقلال، وبإخفاقها ضعف الأمل في نجاح المقاومة التي استمرت تقوم بها بعض القبائل بالأطلس والصحراء، لأن الحماية عمدت إلى أساليب مادية وأخرى نفسانية تجعل نجاحها أمرا بعيدا: حراسة صارمة على شواطئ المغرب البرية والبحرية، وتقسيم إداري يجعل التنقل بين نواحيه أشد وطأة من التنقل بين دولة ودولة، وشيوخ الطرق والعلماء الانتهازيون يدعون إلى الخضوع والاستسلام، وسياسة التفقير والتجهيل تسير بخطى ثابتة في الطريق التي خطها دهاقنة الاستعمار، والدول الإسلامية مغلوبة على أمرها، منهمكة في تضميد جروحها، وحتى الصيحات التي كانت تتعالى من أفواه الأحرار في الشرق والغرب لم يكن يسمع صداها في المغرب، لأن الدولتين الحاميتين آلتا على نفسيهما أن تحولا بين الكتب والجرائد الإصلاحية والتقدمية وبين الوصول إلى منطقتي الحماية، فكانت العقول في حيرة، والنفوس في يأس أو ما يشبه اليأس، ولم يبق رجاء إلا في أحد أمرين: حرب عالمية يعلو فيها السافل ويسفل العالي، أو لطف خفي من الحكيم العليم الذي اعتاد أن ينصر المستضعفين ويجعل لهم من الحرج فرجا.

وفعلا تدارك الله الأمة المغربية بلطفه يوم 18 نوفمبر سنة 1927 عندما أخذت لمحمد الخامس البيعة بقبة النصر بفاس، وكانت بيعته إيذانا بعودة الثقة إلى النفوس، واستئناف الصراع في شكل جديد.

كان جلالته يومئذ في الثامنة عشرة من عمره، فتي البشرة طري العود، ولكنه على صغر سنه راجح العقل، واسع الإدراك، عميق التفكير، فقد أخذه المرحوم والده المولى يوسف بالتعليم منذ الطفولة، وانتقى له من المعلمين أغزرهم مادة وأقومهم أخلاقا، فترعرع بين أيديهم ينهل من موارد العلوم والفضائل ويعل، وسافر مع والده في السنة التي سبقت تربعه على العرش إلى أوروبا، فشاهد عن كتب عظمة الصناعة وتبحر العمران، ورقي المجتمع، فعرف سر تقدم أوروبا، وقدر في نفسه كيف تكون حال المسلمين لو أنهم يجمعون بين المحافظة على قيمهم الروحية والأخذ بكثير من الأسباب التي أخذت بها أوروبا، ولم يبلغ الحلم حتى كانت مخاييل العظمة والنبوغ تلوح فيما يلفظ من قول ويأتي من عمل، وكانت نفسه الكبيرة في اصطراع عنيف نتج عن حسرتها على ما آلت إليه حالة المسلمين، وأملها في رؤيتهم يستشرفون العظمة ويتسنمون ذروة الكمال، ولو رآه يومئذ أحد كهنة عصور النبوءات لقال فيه ما كان يقال منذ مئات القرون فيمن على شاكلته من المصلحين: سيكون للفتى شأن عظيم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣١