كان من أثر الدعوة الإصلاحية التي تزعمها الشيخ الإمام وخصوصا محاربة البدع والطوائف الضالة أن اقتنع بها السلطان مولاي عبد الحفيظ وكان من رجال العلم وقد ألف كتابا في الرد على التجانية نشره بفاس كما كان شباب المغرب منذ أيام مولاي عبد العزيز يهتم بكل ما يجري في الشرق ويطالع الجرائد والمجلات التي كانت ترد على المغرب فتكونت نواة طلبة القرويين اقتنعت بضرورة الإصلاح الديني وعلى اثر ذلك زار المغرب احد العلماء السلفيين السيد عبد الله السنوسي وحاول بث أفكاره الإصلاحية كذلك، كما أن الشيخ المحدث الكبير أبا شعيب الدكالي من رجال السنة المناضلين عنها وقد قضى مدة بمكة ولما رجع للمغرب اخذ يلقي دروسه في الحديث وكان له اثر في الناحية.
وتبلورت كل هذه المؤثرات في شخصية مصلح المغرب الكبير شيخنا سيدي محمد بن العربي العلوي، وهو كالسيد جمال الدين الأفغاني لا يكتب المؤلفات وإنما كون جماعة من الشباب من ذوي الثقافة الإسلامية المحضة ومن الذين قدر لهم في أول الحماية أن يجمعوا بين الثقافتين حتى أن أكثر القادة بالمغرب في الناحية الفكرية من تلامذته.
وان تاريخ الحركة الوطنية بل الفكرة الوطنية نفسها يرجع الفضل في بثها ونشرها إلى شيخ الإسلام ابن العربي ومن كان معه من بعض العلماء السلفيين كشيخنا السيد عبد السلام السرغيني رحمه الله، وكثيرا ممن تتلمذوا لابن العربي كانوا أيضا في نفس الوقت تلاميذ للسيد عبد السلام السرغيني.
وقد لقت هذه الحركة هذه الحركة أيضا مقاومة من طرف القبوريين وكان أقطاب السياسة الأهلية من رجال الحماية يساندون الجامدين ويضطهدون بشتى الوسائل دعاة الإصلاح وبدأت آثار هذه الدعوة تظهر في ما يكتبه الشباب من مقالات في الصحف خصوصا في صحافة الجزائر وقد تأسست فيها جمعية سلفية أسسها المصلح الجزائري الكبير عبد الحميد باديس رحمه الله وهي جمعية العلماء التي كان لها اكبر الفضل في إحياء الفكرة الوطنية الإسلامية في القطر الشقيق وقل من شباب ذلك العصر من لم يشارك بقلمه في هذه الحملة التي كانت هي المظهر الأول للوطنية ببلادنا.
حتى أن أول مقالة كتبتها بالفرنسية وأنا لا أزال تلميذ بثانوية مولاي إدريس كانت حول عيساوي ونشرتها في جريدة تصدر بباريس بينت فيها أن الضلالات التي عليها هذه الطائفة لا تمت للإسلام بصلة بل لا علاقة لها مطلقا بتعاليم الشيخ محمد بن عيسى وأوردت ترجمته بهذه المناسبة. ونشرت في هذه المدة الكتب والرسائل الصغيرة في الدعوة إلى الإصلاح ومحاربة البدعة في الموضوع كان ألقاها في غفلة من عين السياسة الأهلية الأستاذ عبد السلام السرغيني رحمه الله.
وتسربت الفكرة الإصلاحية كذلك إلى القصر بواسطة السيد المعمري وهو صديق لابن العربي ومقتنع بالفكرة السلفية وقد كان أستاذا لصاحب الجلالة محمد الخامس نصره الله، فشب ملكنا على هذه الروح الوثابة نحو الإصلاح والتحرر التي كانت ميزة حركتنا الوطنية، فكان تكون المجالس على العرش وتكون الشباب الذين اضطلعوا بالدعوة الفكرية الوطنية واحدا يستقي من نفس المنابع الطاهرة: القرآن وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدى السلف الصالح.
وان هذه الحقبة من كفاحنا حيث كانت كل الجهود متجهة نحو محاربة البدع والعوائد الفاسدة وذم التقليد الممقوت تستحق دراسة خاصة لأنها هي التي طبعت فكريا الحركة الاستقلالية التي نشأت في هذا الوسط الإصلاحي وترعرعت فيه وجعلت مبادئها مستمدة من مبادئه.
وقد كان النصر المبين الذي حصلنا عليه في الميدان السياسي بتحقيق استقلال البلاد نصرا كذلك في نفس الوقت للفكرة السلفية التي كان يقاومها المستعمرون وأذنابهم من منتحلي التصوف المزيف الكاذب والتصوف الحقيقي بريء منهم.
هذه أيها السادة نظرة عجلى على أصول هذه الحركة المباركة ودواعيها وأثرها في ايقاض الوعي القومي في نفوس المسلمين في المشرق والمغرب وعسى أن ترعوا هذه الأمانة التي أداها لكم المخلصون من أبناء المغرب فتتعهدوها وتعملوا على الاستفادة منها إذ لم تكن تلك الحركة إلا مقدمة لبناء مجد جديد للمغرب وللإسلام وعليكم انتم شباب اليوم ورجال الغد المسؤولية في بلوغ بهذا الوطن العزيز إلى ما ننشده له جميعا من عز ورفاهية وسعادة والسلام.