تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س2، ع8 /ماي 1959 .................... ص 7

كلمة معالي وزير التهذيب الوطني الأستاذ عبد الكريم بن جلون في الأسبوع الثقافي

"حظ الثقافة في التربية الدينية"

مرت على الإنسانية عصور طويلة كانت الثقافة فيها وقفا على فئة من الناس فرضت لنفسها حق التفكير، وأقاموا بينهم وبين العامة حاجزا حصينا يحول دون نفوذ أشعة الفكر إلى الجماهير، على اعتقاد منهم بأن الدهماء يكفيها غذاء البدن وتقليد أعمى بشعائر الدين واستسلام جامد لإرادة الحاكمين فلم يكن بالطبع ثمة مجال للكلام في الثقافة الشعبية بل لم يكن من سبيل للجمع بين هاتين اللفظتين.

لكن السنة التي أرادها الله لخلقه اقتضت أن يأتي يوم تنقشع فيه تلك السحب التي كانت تحجب أشعة الفكر عن الجماهير، وتخرج فيه من الظلمات إلى النور، فإذا بها تتطلع متشوقة إلى هذا النور الذي حرمت منه عصورا وإذا بالقادة يتزحزحوا ليقتربوا منها وإذا بالثقافة تصير ثقافة أمية، والعلم يصير فريضة على كل مسلم ومسلمة، وإذا بالثقافة الشعبية تصبح واقعا ملموسا يشغل بال القائمين بشؤون الحكم وقادة الفكر.

وعليه فلا يسع المتبصر في شؤون الإسلام وتعاليمه وتاريخيه ونظمه إلا أن يعترف بأن الدين الحنيف قد إختط هذا التوجيه الصحيح والنهج القويم الذي يضمر للمرء السعادة في الدنيا والآخرة.

وهذا ما حذا بي إلى جعل موضوع الحديث "حظ الثقافة الشعبية في التربية الدينية".

وقبل كل شيء ما هي الثقافة الشعبية وما هي خصائصها الأساسية في الوقت الحاضر؟

ليست الثقافة مجرد معلومات يحشى بها الذهن ويتسلى بها العقل في أوقات الفراغ إنما هي مجموعة عناصر عقلية وعملية تؤدي إلى تحسين الحياة بأوسع معانيها فالثقافة الشعبية هي والحالة هذه الثقافة الحية التي يحتاجها شعب ما في آونة معينة من تاريخه وإذا صادفت هذه الآونة نقطة تحول في تاريخ هذا الشعب وجب أن يكون ما يمكن لكل فرد أن يجنيه من هذه الثقافة من تغيير مادي وفكري ونفسي وأخلاقي أشد وأعمق منه في أية آونة أخرى فتكون إذ ذاك مهمة الثقافة الشعبية توجيه حياة الفرد وتكوينه أخلاقيا وأعداد المواطن إعدادا صحيحا بتدريبه على الحياة الجماعية داخل إطار أقرب إلى ظروف الوجود الواقعية.

ومن هنا يمكننا أن نستخلص انه من الواجب أن تتوفر فيها العناصر الآتية:

أولا - إدراك الواقع

ثانيا - اكتساب المعرفة

ثالثا - الرغبة في الابتكار والإنشاء

رابعا- التشبع بالحياة الجماعية

فبقولنا إدراك الواقع نعني أن كل فرد ملزم بفهم الوضع الذي يجب أن ينشأ عن التغيير الحاصل في حياة الأمة وبتقدير الواجبات التي يلقيها على عاتقه هذا التغيير بصفته عضوا عاملا ليس من حقه أن يقف من المجتمع موقف المتفرج بل لا بد له أن يفهم مجهود الشعب إنما هو مجموع مجهودات الأفراد وان كل عضو مهما صغر دوره في تسيير حركة المجموع.

وهذا الإدراك من شأنه أن يكون حافزا للفرد على اكتساب المعرفة فإذا ما فهم واجباته أدرك أنه بحاجة إلى توسيع أفق معلوماته ليتسنى له القيام بتلك الواجبات على أكمل وجه وأنمه وليتسنى له

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٩٠