تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ..................... ص 19

معنى دعوة الحق

للدكتور: تقي الدين الهلالي

له دعوة الحق

لما كان اسم هذه المجلة ((دعوة الحق)) وكانت هذه الجملة من أبلغ كتاب الله جل وعلا، وكله بليغ، أحببنا أن نجعلها بداية لهذا المقال، ونجتهد أن نبين حاجة الناس إلى دعوة الحق، بعد أن نبين ما هي دعوة الحق.

دعوة الحق هي توحيد الله تعالى في ربوبيته وعبادته:

أما توحيد الربوبية، فهو كما قال بعض العلماء الحكماء: أن توحد الله بأفعاله، بأن تعتقد أنه هو الخالق وغيره لا يخلق شيئا، وهو الرازق وغيره لا يرزق شيئا، وهو المدبر وغيره ليس له من الأمر شيء، وهذا واضح في قوله تعالى: ?قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ? [يونس: 31 - 32].

الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يحاج المشركين الذين كانوا يأكلون خيره ويعبدون غيره، فاحتج عليهم بما يقرون به، وذكر خمسة أمور: رزق جميع المخلوقين، وامتلاك السمع والبصر أي وسائل القوى التي منحها الله الإنسان، وإخراج الحي من الميت، وعكسه، وتدبير جميع الأمور.

وأخبر سبحانه أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معترفين بأن الله هو الذي يفعل ذلك وحده، فلم يدخلهم ذلك في الإسلام، لقوله: قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، أي إذا كنتم معترفين بأن الله هو الذي يخلق، ويرزق ويملك ويدبر جميع أموركم وأمور غيركم، فلماذا لا تتركون الشرك به؟ ولماذا تلجأون إلى غيره في قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟

إذن، فقول بعض المتكلمين في شرح معنى لا إله إلا الله ((لا مستغنى عن كل ما سواه ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله)) هو شرح غير صحيح، لأن المشتركين يعترفون بذلك ولم يدخلهم ذلك في الإسلام.

والصواب أن معنى لا إله إلا الله، أن العبد يقر ويعترف أنه لا يعبد إلا الله، لأن الإله معناه المعبود. فقوله لا إله إلا الله، إقرار والتزام أنه لا يصرف شيئا من عبادته لا قليلا ولا كثيرا إلا الله.

وهنا نبين معنى توحيد العبادة، ويسمى أيضا توحيد الالاهية، وهو أن توحد الله بأفعالك أيها الإنسان بالا تدعو غيره، ولا تستعين بسواه، ولا تستغيث ولا تتوكل ولا تلجأ إلا إليه، فهذا معنى لا إله إلا الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله ... الحديث

وقال تعالى: ?فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا? [البقرة: 256]

فمن لم يكفر بالطاغوت، وهو عبادة غير الله، لا تصح له عبادة، قال تعالى: ?قُل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ? [الكافرون: 1 - 3]، فنفى عنهم عبادة الله مع أنهم كانوا يحجون ويتصدقون ويدعون الله، بل ويوحدونه إذا مسهم الضر في البحر، ثم يشركون به في الرخاء، ونفى عنهم العبادة، لأن من أشرك مع الله شيئا بطلت عبادته، وردت عليه.

وفي الحديث القدسي: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، وفي رواية: أنا خير الشريكين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٤