تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص32

خواطر حول: ابن الخطيب السلماني

للأستاذ: عبد الكبير الفهري الفاسي

سفير المغرب في تركيا وايران

يقف الرجل على أي قبل من المقابر يترجم على أصحابها، فلا تفوته العبرة يستجليها ولا الذكريات لآثار أولئك الذين سبقونا في الحياة وسبقونا في الممات ومهما طال بنا العمر فنحن بهم لاحقون ولما وردوه واردون. غير أن العبرة عند قبور دراسة أصبحت الأيام لمعالمها طامسة، تكون أعمق أثرا في النفوس إذا كان أصحابها ولهم في الحياة شأن وقبضوا من الزمان على نواصيه، وتصرفوا في الحوادث قبل أن تصرفهم، ووجوها قبل أن تنقلب عليهم في يوم لا مرد له.

وإذا استوى الكبير والصغير لدى من لا يرحم الكبير لعظمته، والصغير لوضاعته، فإن العبرة عند جدث العظيم تترك النفوس الحائرة، ساكنة مطمئنة، لمصير الأحياء الذين ينشدون المساواة، ولا مساواة إلا أمام هذه السنة الكونية المطلقة الموحدة للإنسانية توحيدا تتناساه طوال الحياة وما فيها من مفاتن وغرور.

تلك أفكار تدور بالخلد، وتختلج في النفس، وأنا واقف مرة أخيرة على قبر ابن الخطيب السلماني رحمه اله، وأذكر قوله:

إن بان منزله وشطت داره

قامت مقام عيانه أخباره

قسم زمانك عبرة أو عبرة

هذا ثراه وهذه آثاره

نعم بقيت لنا آثاره، وبلغتنا أخباره، ولا زال حملة الأقلام وقادة الفكر يمنعون في الاشتغال به ميتا كما شغلوا به حيا. ورغما عن تأليف المقرى فيه قسطا هاما من كتابه نفح الطيب فان ما لم يدرس من جوانب حياته وجوانب شخصيته ودخائل نفسيته أكثر مما درسه الدارسون ... وقد وقع في شأنه ما وقع في شأن أكثرية رجالات العرب والإسلام شرقا وغربا، أي أن مؤرخيهم ومترجميهم لم يراعوا في الغالب في دراساتهم إلا جوانب الحياة الظاهرة، ما بين ازدياد ونسب وتخرج على الأشياخ وتسنم متون المناصب واقتحام الأخطار في الرحلة للعلم أو الحج والجوار ثم المصير الأخير لكل حي.

وقلما نجد تعليلا لأحداث التي تزدان بها حياة الرجل، أو تحليلا لدواخل نفسه ودوافع سلوكه الحسن أو السيء، وتصرفاته كرجل قلم أو سيف، أو بواعث سياسية اذا كان من رجال الحكم و السياسة. و قلما نجد كذلك دراسة للبيئة والظروف الملابسة لأعماله كل ذلك يغفل كأنه لا يد له في تكوينه أو في توجيهه في ميادين الحياة التي خاضها ولربما طبعها بطابعه.

.......... صورة .........

على أننا لا نلوم القدماء عندما يكتبون سير عظماء الرجال أو يترجمون لهم، الا «لو ما نسبيا» لعلمنا إن ما ندعو إليه اليوم من ضوابط وقواعد في هذا الرهط من الكتابة، يرتكز على النقد العلمي والتحري والتحليل النفسي، وهو نوع من التفكير الحديث، إنما هو وليد عهدنا هذا، ونحن المطالبون الآن بالسير في طر يقه والعمل بمقتضياته التي تتنافى مع كل تساهل في المنطق والعقل.

وأرى أنه من الحيف أن نحكم على الاقدمين فيما كتبوا بمقايسنا التي نعيش عليها اليوم، بل ينبغي أن نعلل أقوالهم وما يذهبون إليه حسب المقاييس التي عاشوا عليها، إلا فيما يخص البعض منها مما هو مشاع بين الأمم التي سمت بها أنوار الحضارة إلى قمة البحث العلمي المجرد، الذي لا يمكن أن ندعو غيره بحثا أو دراسة إلا على سبيل التجاوز والتسامح

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٢٥