تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن أبلغ حضراتكم تحياته ومتمنياته لنجاح المجمع في رسالته، وعندما علم أنكم اخترتموني لأحل محل الراحل الجليل الشيخ عبد القادر المغربي تغمده الله برحمته، ذكرني بالكلمة التي كان وجهها جلالته لتلقى في حفلة تأبينه، وكان يقدره، ولا ينسى له مواقفه من قضية المغرب، وقد قال لي كذلك جلالته «ان تعيينكم في مجمع اللغة العربية تشريف للمغرب»

فأكرر لكم شكري وشكر بلادي، راجيا من المولى تعالى أن أكون عند حسن ظنكم بي، وأن أوفق إلى العمل بجانبكم ومعكم، حتى نصل باللغة العربية إلى المكانة التي برهنت على أنها جديرة بها يوم وسعت حكمة الفرس وعلم اليونان.

............. صورة ............

أيها السادة:

إنكم أردتم ان أحل بينكم في محل كان يشغله أحد أقطاب النهضة العربية الأولى، الذين كان لهم نصيب كبير في كل الميادين التي سارت فيها الأمة العربية بخطى واسعة نحو التقدم ونحو التحرر ونحو الإصلاح الديني والاجتماعي، مما يجعلني أتهيب هذه الرسالة التي حملتموني إياها لأني سوف أجعل دائما نصب عيني سيرة الشيخ عبد القادر المغربي وأعماله، حتى أحاول أن أساهم مثل ما ساهم به، أو بالأحرى أن أسعى نحو ذاك في بعض الميادين، وقد أحرز في كلها رحمه الله المعلى والرقيب. وإن الحديث عن الشيخ عبد القادر المغربي في هذا الوسط العلمي الجليل بين زملائه وأصدقائه ومعارفه، لا يمكن أن يأتي بشيء جديد، خصوصا وأنه ألف في حياته، وكتبت عنه المقالات، وتكلمت عنه الإذاعات، وهو من أفراد الرعيل الأول من رجال النهضة الذين استمروا في أعمالهم حتى أدركوا عصرنا، فكان اتصالنا بأمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده اتصالا إنسانيا، لا عن طريق الكتب فحسب، بل عن طريق التلمذة وهي أجدى وأكبر فائدة. فالشيخ عبد القادر المغربي من هؤلاء الأعلام الذين يقال عنهم مثل ما يقال عن كبار المحدثين: ملحق الأحفاد بالأجداد. وإن كنت أنا لم يتيسر لي ملاقاته رحمه الله فقد لاقيت وعاشرت كثيرا أحد رفاقه ممن كان لهم أيضا الحظ الأوفر في النهضة العربية وهو الأمير شكيب أرسلان رحمه الله.

إن من يتتبع سيرة الشيخ عبد القادر المغربي، يرى تنوع مناحي نشاطه الفكري، ويعجب لتوفر كل تلك الكفاءات في شخص واحد، فهو الرجل السياسي الذي ناضل في سبيل خير الأمة العربية ونشد لها الحرية وذاق من أجل مبادئه الاضطهاد والسجن، وهو المصلح الديني الذي أحس بأن ما كان عليه الإسلام أو بالأحرى المسلمون في القرون المتأخرة من الاعتقادات الفاسدة والتقليد الأعمى ليس من الإسلام في شيء وأن الحق كل الحق فيما ينادي به الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وهو المصلح الاجتماعي الذي يرى أن الدعوة التي يتزعمها قاسم أمين في سبيل تحرير المرأة هي ما يناسب روح الإسلام ويتأسف عندما يرى في إحدى الجرائد ما نشر عن قاسم أمين من أنه رجع عما يدعو إليه، ثم يفرح ويستبشر عندما يتأكد أن الأمر مكذوب عليه، وهو الصحفي الذي شارك في تحرير عدة جرائد بل أسس جريدة له ينشر فيها أفكاره ويناضل فيها عن المبادئ التي آمن بها وهو العالم الذي يولي ناحية اللغة العربية اهتماما امتاز به من بين رفاقه الذين كان لهم جميعا إشفاق على لغة القرآن وحدب عليها.

إن لكل من الأمير شكيب أرسلان والشيخ رشيد رضا وأمثالهما مواقف في الدفاع عن اللغة العربية والبحث عن وسائل إحيائها وتصفيتها وجعلها أداة صالحة للتعبير عن كل مقتضيات المدنية الحديثة، ولكن الشيخ عبد القادر المغربي فاقهم جميعا بإعطاء هذه الناحية من القضايا العربية اهتماما خاصا، حتى أن باكورة أعماله أو تكاد ان تكون إياها، تأليفه لكتاب الاشتقاق والتعريب سنة 1908 أي قريبا من خمسين سنة قبل وفاته. ومنذ ذلك الوقت وهو يكتب في هذا الموضوع ويحاضر فيه ويشارك في أعمال المجامع الثلاثة التي كان عضوا فيها بدمشق والقاهرة وبغداد، ومجلات هذه المجامع وغيرها ملأى بأبحاثه ودراساته ومنها ما طبع ك"عثرات اللسان"، وكلها في الدعوة للتعريب ولتطهير اللغة العربية من الشوائب، وإن هذه الظاهرة من نواحي تفكيره واهتمامه كانت من أول ما بدا من ميوله واستعداداته، حيث نراه يعلق تعاليق لغوية على مجموعة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها جمال

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٢٢