دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ...................... ص 17
جربوا الإسلام
الأستاذ: عبد الله كنون
أنا لا أخاطب غير المسلمين، ولا أدعو أهل أمريكا وأوروبا إلى الإسلام، فما كان لي أن أفعل ذلك وأنا أرى المسلمين منحرفين عن تعاليم دينهم وما جاء به، فهم أول من يدعى للتمسك بعروته الوثقى، وهل أغنت الدعوات من هذا القبيل التي وجهت إلى القوم بلغاتهم ومن طرف رجال لهم عندهم مكانة، شيئا؟
هذا (كوت) شاعر الألمان يمتدح الإسلام ويقول: «إن كان هذا هو الإسلام فنحن مسلمون»، ولكن ما هي النتيجة العملية لهذه الدعاية من فيلسوف أديب -ككوت- وألمانيا ما زالت من أكبر الشعوب تعنتا على الإسلام والمسلمين، ومستشرقوها في طليعة الدساسين الذين شوهوا محاسن هذا الدين، بله ما كانت عليه سياستها من اعتبار الفوارق بين الأجناس، وكون العرب حملة الهداية الإسلامية أحط جنس بعد اليهود؟ ...
وهذا الفيلسوف الفرنسي (كينو)، ألم يرجح الإسلام على جميع المذاهب السياسية والاجتماعية والحلول التي وضعت لازمة المدنية الحديثة؟ فلا الاشتراكية في نظره ولا الشيوعية ولا غيرهما من النظم الجديدة تستطيع أن تنقذ البشرية من هذه الأزمة الخلقية والسياسية التي تتخبط فيها كما يستطيع الإسلام، كم أشاد بروحانية الشرق وسمو الاجتماع الإسلامي سواء في كتابه «أزمة المدنية الحديثة» أو في كتابه «الشرق والغرب» أو غيرهما تصريحا وتلويحا، ولم تكن النتيجة إلا اقتناعه هو وحده بصدق نظره، وارتحاله إلى مصر يقضي شيخوخته بين التأمل والتفكير في منزله، وعبادة ربه في ضريح سيدنا الحسين إلى أن توفى.
وإني لأعرف بعض تلاميذه الذين طبعهم بطابعه، وخرجهم في مدرسته، وهم مثله من أكثر الناس افتتانا بدعوة الإسلام، وشغفا بمبادئه العليا وفلسفته النقية، ولكن أين يجيئون من هذه الأمة الفرنسية التي تعد أربعين مليونا، وهي برغم أنف لادينيتها ما تزال تعتبر ابنة الكنيسة البكر، بما ترفع من سلطان الكثلكة على الإسلام، وما تتجنى عليه وعلى أهله من بغي وعدوان.
وانجلترا التي تحككت بالإسلام والمسلمين قرونا عديدة، والتي اشتهرت بحب الأغراب في كل شيء، ألم يدعها (اللورد هدلي) في كتابه المعروف إلى الإسلام؟ ثم ألم يتنبأ كاتبها الفذ (شو) بأن الإسلام هو دين العالم في المستقبل؟ فهل بلغ ذلك إلا إلى حفنة صغيرة من أهلها اعتنقوا هذا الدين الحنيف وإن بهم لحاجة كبيرة إلى من يعرفهم حقيقته ويبين لهم أسراره من الوجهة العلمية أكثر من الوجهة القولية؟
واليابان، بلاد الشمس المشرقة، هذه الأمة الوثنية التي كم تطلعت إلى دين جديد يناسب حياتها الجديدة، وكم عقدت فيها المؤتمرات للنظر والمقارنة بين الأديان، وكان خليقا بها أن تصطنع الإسلام وتتخذه دينا لها من بين سائر الأديان مع ما انبث فيها من الدعاة الهنود وغيرهم المبشرين به وبمبادئه السمحة إلا أنه لم يبلغ فيها تعداد المسلمين إلى ما قبل الحرب الأخيرة أكثر من عشرين ألفا؟ ...
فهل هذا من ضعف الدعوة أو ضعف الدين؟ ..
أما ضعف الدين فليس هناك من يقول به، وأما ضعف الدعوة فيمكن أن يقال إنه لابد من جهود أكثر، ومن طرق أحدث، للنفوذ إلى قلوب المدعوين وإصابة الهدف المقصود من إسلام شعوب أوروبا وأمريكا، لو لم يكن هناك ما يعرقل نجاح هذه الدعوة ولو بلغت ما بلغت من القوة، ويشل حركتها، وإن اتخذت لها جميع الاستعدادات الممكنة، ألا وهو مخالفة حال المسلمين لمقتضى أوامر دينهم، واستبدالهم حقائقه الناصعة وأصوله العظيمة بالبدع والخرافات، التي قادتهم إلى بؤرة الجهل والرذيلة، وجعلتهم مضرب الأمثال في الذل والهوان ...
فالأوربي والأمريكي والياباني حينما يرى المسلمين على ما هم عليه من الجمود والتأخر والجبن والخنوع واستيلاء الأجانب على بلادهم، واستغلالهم لخيراتها دونهم، وتجنيدهم لشبانهم في حروب، وعبثهم بمصايرهم، وهم غير مبتكرين، يحكم بأنهم عبيد العصا، وأنهم لا كرامة لهم، وأنهم والحيوان الأعجم سواء، وربما حكم أن دينهم يأمرهم بذلك، فاستنتج أنه دين لا يجامع الحياة الشريفة والعزة القومية، وإنما يأمر بالذل والاستكانة للقوي الغالب، فكيف يرجى منه أن يقبل أو يسمع من الدعاة إليه .. ؟