جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله بخير كتب الله له مثل أجره حتى أنه لا ينقص من أجر الغازي شيء.» وعن أبي سعيد الخدري: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلي بني لحيان: ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال للقاعدين: أيكم خلف الخارج في أهله فله مثل أجره ... ومعلوم ما كان قسم عمر رضي الله عنه لأهل السابقة من المسلمين ممن شهد بدرا أو أحدا وغيرهما من المشاهد، وتفضيلهم في العطاء على غيرهم، ولقد قسم ذات مرة مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقى منها مرط جيد فقال له بعض من عنده يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله التي عندك، يردون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق به، فإنها كانت تحمل لنا القرب يوم أحد» وهذا إثبات لحقوق قدماء المحاربين وتفضيل لهم حتى على ذوي الفضل الذي لا ينكر.
وغير خاف على أحد أن مرجع الإسعاف كله إلى المال، فإن المال كما يقولون هو قوام الأعمال، ومهما توفر لدينا من الشعور الإنساني العميق والرغبة في الإسعاف وحب الخير فإنه لا يغنينا ذلك شيئا عن البذل والإنفاق والبحث عن وسائل إيجاد المال الكافي للقيام بالمشروعات الضرورية للإسعاف والعمل الإنساني النبيل، وموقف الإسلام من هذه المشكلة معروف، فانه فرض ضريبة للإسعاف على المال إذا بلغ قدرا معينا ولم يستثن منها أحدا، إلا الذي لا يجد ذلك القدر المعين من المال، وهو ليس ببالغ الكثرة حتى لا يجده إلا الممولون الكبار، بل هو مبلغ عشرين دينارا فقط (20)، والواجب فيه ربع العشر، وظاهر من هذا أنه يريدها ضريبة اجتماعية يشارك فيها جميع طبقات الأمة إلا النادر الذي لا حكم له. وهذه الضريبة هي الزكاة التي هي إحدى القواعد الخمس المبني عليها الإسلام ولا هوادة في دفعها لأنها واجبة كالصلاة والصيام. ومن ثم جاء في الآية الكريمة: «وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمرحوم» ومصارفها التي لا تدفع إلا فيها ثمانية وقع النص عليها في القرآن الكريم، وهي هذه الأصناف من الناس ووجوه البر: 1) الفقراء الذين يتكففون الناس،2) المساكين وهم الفقراء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف،3) العاملون عليها أي الموظفون في مصلحة الزكاة، 4) المؤلفة قلوبهم أي الذين يراد استنقاذهم من الكفر والإلحاد، 5) فك الرقاب أي تحرير الأرقاء، ويدخل فيه تحرير الشعوب المستعمرة اليوم من باب أولى وأحرى،6) المدينون يعطون منها ما يؤدون به ديونهم، 7) في سبيل الله، وهو باب واسع يستوعب جميع وجوه البر والإحسان 8) ابن السبيل أي الغريب المحتاج المنقطع، وتجبي الدولة هذه الضريبة وتصرفها في الوجوه المذكورة ولا تصرف منها في باب من أبواب الميزانية العامة إلا بعد كفاية المستحقين لها.
وإلى جانب هذه الضريبة الاجتماعية الواجبة رغب الإسلام في البذل والعطاء والتبرع للمشاريع الخيرية، بما لا مزيد عليه، فتارة بإثارة النخوة في نفوس الكرام وبعث أريحيتهم للجود والإنفاق، وتارة بالوعود الكريمة التي تتضمن مضاعفة الثواب والجزاء وتارة بالمفاضلة بين الأعمال الصالحة وإعطاء المقام الأول لبذل المال في سبيل الله، وهكذا نرى في القرآن الكريم آيات تفوت الإحصاء كلها حض على هذا العمل وتفنن في الدعاء إليه، والى القارئ الكريم منه هذه الصفحة المشرقة التي تضمنت أكثر من عشر آيات متتابعة، فيها من ألوان الإغراء والحث على النفقة في سبيل الله وإعانة الفقراء ما يؤثر في أشد النفوس كزازة ويستخرج به من أبخل الناس، قال تعالى في سورة البقرة:
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
، وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا