الركب الغجري، وإفريقي نفسها، وينطق الفراشات العابرة، والفلاحين الشباب، وملاك النصر، والركب العائد، والجندي المجهول ... وفعلا اخترقت المهج، وسرت مع الدماء سريان الكهرباء في الأسلاك، وأضاءت النفوس بنور الوطنية والانطلاق إضاءة المصباح والنبراس ..
*
وقبل ساعات معدودة أكدت لصدقي الأديب محمد الصباغ انه هو، ولم يعد هناك مجال لان يقول: (لست أنا ... )!!
لقد قال لي كما قال لكم: إن كلماته التي نقرأها بخار كثيف يحجبه عنا، ويحاول أراقنا في غدير حروفه، وساقية مقلته! ... حنانيك يا صباغ! فما عدا مما بدا؟! لقد رأيناك في «شلال الأسود» أنسانا مثاليا، فما الذي أدناك إلى الأثر والانتقام؟!!
ثم إنك قبل أن تطيش إلينا- على أرجوحة القمر- في شرفات النجوم تيقن من صداقتنا وحبنا! ومن العيب الفادح أن النجوم تغمركن والله يقول: «ويل لكل همزة لمزة ... »!
إن الأديب محمد الصباغ كان رائعا حقا في مقطوعته الجميلة ... ومما يحببها على النفس هذه الألفاظ المشرقة التي تتراقص أمام عين القارئ واضحة جلية ...
*
وفي هذا العدد من مجلة «دعوة الحق» يعرض علينا الأستاذ عبد الهادي التازي «ريبورتاجا» عن مؤتمر أدباء العرب بالكويت، وهو وصف شامل شيق لتلك السوق الأدبية التي تمثل فيها الاتحاد العربي، والتقى فيها ما يقرب من مائتي أديب وكاتب وناشر .. والرجاء من الأستاذ التازي أن يزيدنا من حديثه الممتع عن المؤتمر في فرص أخرى، على صفحات هذه المجلة نفسها ...
أما في (باب النقد الأدبي) فيأتي اثر الإسلام في شعر الأخطل للأستاذ محمد سليمان الزرابيني مشاركا السيد محمد برادة فيما كتبه في عدد دسمبر في «دعوة الحق». والأستاذ الزرابيني قد توصل إلى نتائج دراسية ملموسة، تتسم بالارتكاز والتسلسل.
*
أما في (باب مطالعات وآراء) فيتحدث الأستاذ محمد بناتي عن كتاب «خل وبقل» للأستاذ عبد الله كنون، ويتعرض لبعض جوانبه وجزئياته. ويا ليته قد انتقده بعناية تامة شاملة، لتكون الفائدة اعم، وعسى أن يفعل الأستاذ بناني فيما يستقبل من الأيام ..
*
وفي نفس الباب نرى صديقنا الأستاذ عبد السلام الهراس، ذلك الشاب المثالي، يتحدث عن الفيلسوف مالك بن نبي في كتابه (شروط النهضة ومشكلات الحضارة) ومن يتحدث عن مالك وآثاره غير تلميذه البار السيد الهراس، وقد عرفنا بشخصية هذا الرجل تعريفا صادقان نرجو أن يتابع عمله المثمر، ليتسنى لشباب العرب عامة، والمغرب العربي خاصة الانتفاع بفلاسفة الإسلام المعاصرين، ورجاله العاملين.
وإذا كان لابد من التنويه، فقلم التحرير الذي أخذ هذا العدد من اهتمامه، وتنظيمه ما لا ينكره إلا الجاحد، وعسى أن نرى أبوابا أخرى يكتب فيها أصحابها بنفس الروح الوثابة.
*
وهكذا أنهيت هذا العدد من مجلة «دعوة الحق» وقلبي مفعم بالشوق إلى قراءة العدد السادس منها لا لوضعه في الميزان، بل للاستفادة، وقضاء أوقات سعيدة مع أولئك الجنود المجهولين الذين يعملون آناء الليل وأطراف النهار لخدمة الثقافة والفكر، وشؤون الهداية والإسلام.