دعوة الحق س2،ع6 /مارس1959 ................... ص73
في شعرنا المعاصر
بقلم: محمد الأمري المصمودي
-2 -
لعل أول عقبة تعترض الباحث في نشأة الشعر المغربي الحديث قلة المصادر التي لا غنى له عنها في بحثه، فأكثر الشعراء الذين يمكن أن يسلكوا في البحث ليست لهم دواوين مطبوعة تساعد على بلورة مختلف الاتجاهات في نتاجهم، كما تساعد على سبر مدى تطور هذا الإنتاج من جهة، واللحظات النفسية لمنتجيه من جهة أخرى، ولا يكاد الباحث يجد أمامه سوى ما نشر في الصحف والمجلات المغربية، وبعض المجلات المشرقية، ومنتخب الأستاذ القباج، وبضعة دواوين لا تبلغ أصابع اليد الواحدة (1)، وعبثا يحاول العثور على دراسة نقدية موجهة مطبوعة في كتاب أو في شكل مقالات متسلسلة، ويزيد في تعقيد المشكل ألا يعثر على بعض النصوص لما نشر من شعرنا الحديث حتى في الخزانة العامة! ومن ثم يبقى على القارئ الكريم أن يدرك أني لن أقدم له دراسة وافية كأوفى ما تكون الدراسة، وإنما هي ملامح محدودة بتحديد الإمكانيات، وسيسعها أن تزداد شمولا وعمقا يوم أن تنكشف المعجزة عن هيئة رسمية أو غير رسمية يكون همها الأول التنقيب عن تراثنا الثقافي في مجموعه، وضمنه دواوين الشعراء المغاربة من قدماء ومحدثين، والعمل على طبعها ليكون بوسع الباحث والدارس تداولها هنا وفي كل مكان يشوق أهله أن يعرفوا عن أدبنا الشيء الكثير.
وإذا كان الباحث في الشعر المصري الحديث مثلا يستطيع أن يعثر على تيارات ومدارس مختلفة لكل تيار سماته الخاصة، ولكل مدرسة طابعها الخاص في فترات واضحة المعالم، تمهد الفترة منها لتاليتها، كما هي مرتبطة بسابقتها بوشائج تختلف قوة وضعفا، فإن الباحث هنا لن يكون بوسعه أن يرسم تيارات ومدارس دون أن يحتمل ذلك شيئا من التجاوز، ومع ذلك لابد من تحديد فترات نلمس من خلال مدلولها التاريخي بعض السمات التيارية والمدرسية، لأن الواقع يشهد بأنه إذا كانت هناك فترات ركود وانكماش ولواذ بالصمت المريع، فإن هنالك أخرى نشيطة صاعدة لعلها كانت تسير بالشعر نحو الذروة والإبداع ومسايرة الشعر العربي في باقي أقطار العروبة لو لم تعترضها عوائق ومثبطات يسهم فيها الاستعمار بأوفر نصيب! فما هي هذه الفترات إذن؟
إنها مبدئيا: 1) فترة ما قبيل الحماية. 2) فترة الحماية نفسها. 3) فترة الاستقلال.
ولا غنى لنا مع ذلك عن تلمس قطاعات داخل كل فترة، لأن ذلك سيساعدنا على تلمس ما يمكن أن نسميه بتيارات الشعر المغربي المعاصر مع ما يحتمل ذلك من تجاوز.
1) فترة ما قبيل الحماية: قدر للمغرب أن يشمله عصر الانحطاط الأدبي الذي عم جميع الأقطار الناطقة بالضاد، ومضى وقت طغت فيه الأزجال وأشعار الملحون على الشعر الفصيح، وبلغ من رواجها أن بعض رواد الشعر الفصيح لم يتأخروا عن إنتحالها لما رأوا من احتفال بها في جميع الأوساط، ولا يكاد يطالعنا هذا القرن الذي نحن فيه حتى نجد طبقة من الشعراء يمكن أن تلحق بفلول المدرسة الأندلسية، لأن ما لدينا مما أنتجوه لا يخرج في معظمه عن الأغراض القديمة للشعر العربي عامة، في إطار يذكر بالنمط الأندلسي، مع قصور عن شأوه في العبارة الرشيقة المعقولة، والشفافية التي يمتاز بها أكثر الشعر الأندلسي، والنغم الموسيقي الذي يبدو عند هذه الطبقة أقل تنغيما، وأكثر تنافرا ونشيجا لما قد يكتنفه من عبارات فقهية أو مبتذلة أو مثقلة بالمحسنات البديعة، وأكبر من يمثل هذه الطبقة أو أشهر من يمثلها على الأصح محمد غريط، وأحمد البلغيثي، والبكري، وعبد الله الفاسي، ومحمد السليماني، وبوعشرين، وسكيرج، وأحمد الصبيحي، ومحمد بوجندار، وأحمد النميشي، وعبد الرحمان بن زيدان، ولابد من أن نسوق نماذج مما قال بعض هؤلاء للتدليل على ما ذهبنا إليه، يقول المرحوم محمد غريط في التغزل:
(1) - هي فيما ينتهي إليه علمي: ديوان محمد مكوار. أحلام الفجر لعبد القادر حسن. باقة شعر لعبد المالك البلغيثي.