وعاودني الارتعاش الجنوني، وأخذت حبات العرق البارد تتجمع في جبهتي العريضة، ودعوة أمي تتردد في مسمعي: «الله ما يخيبك».
ثم خرجت الصديقة من مكتب الرئيس وقد اختفت الابتسامة من شفتيها، وقالت لي الرئيس مشغول.
وازدادت خفقات قلبي عنفا، بينما أصبحت لا اسمع شيئا دعوة أمي: «الله ما يخيبك».
ونقلت خطاي عبر الممر الطويل في سهوم، بينما كانت صديقتي تردد: الحقيقة أنه غير مشغول، ولكن ليس هناك أي مكان فارغ في الإدارة، لقد أخبرني الرئيس أنه لا يوجد لك عمل هنا، وصدقني إذا قلت لك أنني حاولت المستحيل معه، مع ذلك فإن لي كثير الأمل في إيجاد عمل لك هنا ... في نفس الإدارة ... ومع نفس الرئيس هل تعود في المساء؟
وأجبت: ولم أعود؟
قالت: أنني أريد أن تعود فسوف يوجد لك عمل في المساء، لابد أن يوجد، شكرتها ساهما، ثم خرجت إلى الشارع مخنوقا بالبكاء، وأنا أسمع دعوة أمي، وأرى أن الله قد «خيبني».
وفي المساء ...
كان لابد لي أن أقتل الكبرياء الكاذبة، وان أعود إلى الإدارة لأجرب حظي مرة ثانية، وعدت، ووجدتها تنتظرني بابتسامتها الساخرة، ثم مدت إلى ورقة، وهي تقول: هذا هو العمل ... لقد أوجدته لك أنا. وقرأت الورقة الصغيرة: «بناء على حديثي معك في التلفون ... فحامل البطاقة مني أنا، هو الشاب الفقير الذي حدثتك عنه».
هو اسم آخر إذن ... الذي سيراه الرئيس، وليس اسمي أنا.
كم أبدو تافها في بطاقة التوصية هذه «شاب فقير مسكين ... أي عمل ... شاوش مثلا، انه عديم القيمة، ولكنني أريد أن تجد له عملا»
ذاك اليوم، لماذا لم أصفع الصغيرة الجميلة، التي احتقرتني إلى ذلك الحد ... لماذا لم أنشب فيها أظفاري وأقتل فيها الابتسامة الساخرة؟
وذاك المساء أيضا، فتح لي باب الرئيس على مصراعيه لأدخل «بطاقة التوصية».
وكانت صديقتي تبتسم منتصرة على الرئيس، وساخرة من كبريائي.
وفي جنون مزقت «البطاقة» ورميتها في وجه الصديقة الساخرة ... لقد كانت هناك بقية من كبريائي أنا ... أنا الذي لا يملك اسما، مزقت البطاقة، ,أخذت أجري في الممر الطويل.
وفي المنزل الخرب ... بالزقاق المنسي، سألتني أمي عن النتيجة، فأخبرتها أن الله «لم يخيبني» فلقد هيأ لي ممرا طويلا اجري فيه، وأصابع قوية تمزق بطاقات التوصية.